المصدر: شين تان، الكاتب | وانغ شيانغ غه
"البجعة السوداء" مجرد استعارة.
قبل اكتشاف البجع الأسود في أستراليا، كان الاعتقاد السائد أن جميع البجع أبيض. مع الوقت، تحول هذا التعبير إلى مصطلح دارج يُشير إلى الأحداث النادرة جدًا وغير المتوقعة. فالبجعة السوداء تحدث خارج نطاق توقعاتنا، لكنها قادرة على تغيير كل شيء. وفي مواجهة البشر المعتادين على الاعتماد المفرط على خبراتهم الماضية، تظهر البجعة السوداء فجأةً دون سابق إنذار.
هذا العام، واجهنا بجعة سوداء ضخمة: فيروس كورونا المستجد.
لا أحد يرحب بالبجعة السوداء. لكن بما أنها قد حلت بالفعل، فكيف يمكننا التعامل مع هذه الحالات المفاجئة التي يستحيل التنبؤ بها؟
غالبًا ما يقترن "الخطر" بـ"الفرصة". لذا، بدلًا من البكاء والشكوى من قسوة القدر، دعونا نلقي نظرة على كتاب "البجعة السوداء" للمؤلف نسيم نيقولا طالب (Nassim Nicholas Taleb)، الذي قضى حياته في دراسة الحظ وعدم اليقين والاحتمالات والمعرفة. يقدم طالب في كتابه تحليلًا منهجيًا ويجيب عن سؤال صعب: كيف نستفيد من الفرص التي تتيحها البجعة السوداء، وما الاستراتيجيات التي يجب اتباعها لتحقيق هذه الاستفادة؟
ستان المتوسط وستان المتطرف
لفهم مفهوم "البجعة السوداء"، علينا أولاً استيعاب مفهومين أساسيين وضعهما نسيم طالب: "ستان المتوسط" و"ستان المتطرف". كلمة "ستان" هي مصطلح ابتكره طالب نفسه، وتعني "المتوسطية".
في عالمنا، تتصف بعض الظواهر بدرجة عالية من "المتوسطية"، حيث تتركز معظم القيم أو الأفراد حول المتوسط، وتقل أعدادهم كلما ابتعدنا عنه، وقد تنعدم تقريبًا عند الانحرافات الكبيرة جدًا. في المقابل، تتميز ظواهر أخرى بدرجة عالية من "التطرف"، حيث يفقد مفهوم "المتوسط" معناه التقليدي، إذ يوجد عدد كبير من القيم أو الأفراد الذين ينحرفون انحرافًا جذريًا عن هذا المتوسط، وقد يصل هذا الانحراف إلى مستويات مذهلة. يطلق طالب على النوع الأول "ستان المتوسط"، وعلى الثاني "ستان المتطرف".
في عالم "ستان المتوسط"، نحن تحت سيطرة الأحداث المحدودة والروتينية والمعروفة والمتوقعة مسبقًا.
أما في عالم "ستان المتطرف"، فإننا نقع تحت سيطرة حدث واحد، أو حدث مفاجئ، أو حدث مجهول، أو حدث غير متوقع.
في "ستان المتوسط" المثالي، يكون تأثير أي حدث فردي ضئيلاً للغاية، بينما يكون التأثير الجماعي هو العامل الحاسم. أما في "ستان المتطرف"، فقد يكون لفرد واحد تأثير غير متناسب على الكل. هذا العالم القابل للتطرف هو الذي ينتج ظاهرة البجعة السوداء، حيث تؤثر أحداث قليلة جدًا لكنها هائلة في مسار التاريخ. من الأمثلة على ذلك: هجمات 11 سبتمبر، والأزمة المالية لعام 2008، والزلزال الكبير في ونشوان.

لا يمكن لأحداث البجعة السوداء أن تحدث إلا في بيئة "ستان المتطرف".
على سبيل المثال، يندرج طول الإنسان ووزنه ومقدار الطعام الذي يتناوله ضمن نطاق "ستان المتوسط"، لأن الفروق بين الأفراد في هذه الصفات محدودة وغالبًا ما ترتبط بكميات فيزيائية. في المقابل، يندرج الدخل والثروة ومبيعات الكتب لمؤلف واحد وشهرة المشاهير ضمن نطاق "ستان المتطرف"، لأنها غالبًا ما تخضع لنمو أسي، مما يخلق فجوات هائلة بين القيم.
الانحراف المعرفي في ظاهرة البجعة السوداء
يتشكّل التاريخ من عالمين: «عالم الوسط» و«عالم التطرّف». لكن السيطرة في الواقع هي لعالم التطرّف، عالم المجهول والأحداث التي تبدو احتمالات وقوعها معدومة. ظهور الجنس البشري نفسه كان طفرة محظوظة للغاية، نجحت في البروز والبقاء داخل بيئة عالم التطرّف.
اليوم، اعتاد الناس على نمط الحياة في «عالم الوسط»، ونقلوا هذا النمط وعادات التفكير المصاحبة له إلى «عالم التطرّف» دون وعي.
وتنشأ المشكلات من كيفية إدراكنا لأحداث «البجعة السوداء»:
-
مغالطة التأكيد: نركّز فقط على الجزء الذي اخترناه مسبقًا من الملاحظات، ثم نعمّم استنتاجاتنا على ما لم نلاحظه. لا يمكنك، على سبيل المثال، أن تستنتج من قيام المزارع بإطعام دجاجته يوميًا لمدة ألف يوم، أنه سيستمر في إطعامها في اليوم الألف والواحد بدلاً من ذبحها. إذا قمت بهذا الاستنتاج اعتمادًا فقط على التجربة السابقة، فهذه هي مغالطة التأكيد.
-
مغالطة السرد: يميل العقل البشري نحو التبسيط بدلاً من التعقيد، والتحديد بدلاً من التجريد، وربط الأسباب بالنتائج حتى عندما لا توجد. لذلك، يضيف الناس تفسيراتهم الخاصة للأحداث، فيبسّطونها ويحددونها وينسبون لها علاقات سببية، بدلاً من وصف الحقيقة كما هي. نحن نعيد صياغة الأحداث الماضية باستمرار باستخدام منطق يبدو معقولاً بعد وقوعها، ونخدع أنفسنا بقصص تتوافق مع تفضيلاتنا المسبقة للأنماط الواضحة.
-
إنكار البجعة السوداء: الطبيعة البشرية ليست معتادة على التعامل مع أحداث «البجعة السوداء» الاستثنائية.
-
الأدلة الصامتة: ما نراه ليس بالضرورة كل ما هو موجود. التاريخ يخفي أحداث «البجعة السوداء»، مما يخلق انطباعًا خاطئًا عن احتمالية حدوثها. فالتاريخ يمنح الفرصة للفائزين لرواية قصصهم، بينما يدفن الخاسرين في النسيان. أنت ترى الناجحين فقط في أي مجال، ولا ترى الذين فشلوا.
-
خطأ التركيز الانتقائي: نركّز فقط على بعض الظواهر الواضحة وغير المؤكدة، وبعض أحداث «البجعة السوداء» المحددة. نفضّل الملموس والمثبت والمرئي والمحدد والمعروف، ونقاوم فهم الأمور المجردة أو غير المعروفة وغير المؤكدة. نقدر ما حدث بالفعل، ونتجاهل ما كان من الممكن أن يحدث. نحن، بطبيعتنا، سطحيون دون أن ندري.
يقيّم الناس الأحداث غير العادية بشكل خاطئ، وهذا بالضبط ما تجني منه شركات التأمين أرباحها. غالبًا ما نتعرض للمخاطر ليس بسبب ثقتنا الزائدة، بل بسبب جهلنا وعدم انتباهنا لحقيقة عدم اليقين.
كيف نتعامل مع البجعة السوداء؟
نحن نعيش في «عالم التطرّف»، بينما تُبنى جميع توقعات المتنبئين على «عالم الوسط». لذلك نفشل دائمًا في التنبؤ بالمستقبل، دون أن ندرك هذه الحقيقة أبدًا.
أحداث «البجعة السوداء» هي تلك الأحداث الكبرى القادرة على تغيير العالم، وسمتها الأساسية هي عدم قابليتها للتنبؤ. هناك عدم تماثل بين الماضي والمستقبل، وعندما نفكر في الغد، فإننا نتعامل معه وكأنه مجرد امتداد للأمس. معرفتنا بعدم قدرتنا على التنبؤ لا تعني أننا لا نستطيع الاستفادة من هذه الخاصية؛ بل يجب أن نعرّض أنفسنا أكثر فأكثر لأحداث «البجعة السوداء» الإيجابية.
يتجه العالم بشكل متزايد نحو «عالم التطرّف»، حيث تلعب مزايا التراكم (تأثير ماثيو) وتأثير التفضيل المرتبط دورًا كبيرًا. تحت تأثير «البجعة السوداء»، يؤدي التنافس الحاد إلى مزيد من عدم المساواة وزيادة في درجة عدم اليقين. العيب الجوهري في الإطار الاقتصادي العالمي الحالي، حيث تُخلق الثروات عبر الأفكار، هو أنه يولّد عدالة أقل ويرفع من أهمية الفرصة والحظ.
في الوقت نفسه، تزداد درجة عدم اليقين أيضًا؛ فلا يوجد فائز مطلق ولا خاسر مطلق. منحنى الجرس (التوزيع الطبيعي) الذي يفضله الناس يواجه مقاومة تجعل احتمال الانحراف عن المتوسط ينخفض بسرعة، بينما التوزيعات الانفجارية أو توزيعات ماندلبروت لا تخضع لهذا النوع من القيود، وهي أكثر ملاءمة لـ«عالم التطرّف». ومع ذلك، يبقى خبراء المال والاقتصاد أسرى للتوزيع الغاوسي (الطبيعي) دون أن ينتبهوا لذلك.
باختصار، يمكن تلخيص المبادئ الأساسية للتعامل مع أحداث «البجعة السوداء» فيما يلي:
استحالة التنبؤ: لا يمكن توقيت أحداث «البجعة السوداء» مسبقًا؛ فما يمكن التنبؤ به لا يُعد حدثًا مفاجئًا. محاولة التكهن بما هو غير متوقع واتخاذ قرارات بناءً على ذلك يؤدي فقط إلى تفاقم الأخطاء.
الاحتياط الدائم: رغم عجزنا عن التنبؤ بالكوارث، يمكننا الاستعداد لها. يجب تحليل التأثير المدمر لأقصى سيناريوهات «البجعة السوداء» واتخاذ أقصى درجات الحيطة. هذا الأمر قد يكون الفارق بين النجاح والفشل، بل بين البقاء والزوال.
رؤية الفرصة داخل الأزمة: رغم طبيعتها الكارثية، تحمل أحداث «البجعة السوداء» فرصًا، تظهر غالبًا في أعقاب العاصفة. أسوأ الأزمات تؤدي إلى أعمق الانخفاضات، مما يخلق أفضل الفرص الاستثمارية.
الحفاظ على هامش أمان: النقطة الأهم هي الاحتفاظ بهامش احتياطي كافٍ يمكّنك من امتصاص صدمة الأحداث المفاجئة والبقاء واقفًا على قدميك.
تجنب الديون المفرطة: المستويات المرتفعة من الديون تضخم العواقب السلبية لأي حدث «بجعة سوداء» وتجعلها أكثر خطورة.
ويقدم الكاتب قاعدة حاسمة بسيطة: «عندما أكون في وضع يمكنني من الاستفادة من الجانب الإيجابي لأحداث البجعة السوداء، أكون شديد المجازفة، لأن ثمن الفشل حينها يكون ضئيلاً. أما عندما أكون معرضًا للجانب السلبي لها، فأكون شديد الحذر.»
