في خضم سباق العالم لمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، برزت القيمة العملية لتقنيات البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي بشكل واضح. في المقابل، أخفقت تقنية البلوك تشين، التي كانت محط آمال كبيرة داخل القطاع، في الظهور تحت الأضواء كما كان متوقعًا.
التقت مؤخرًا صحيفة «بكين بيزنس ديلي» بعدد من العاملين والخبراء في مجال البلوك تشين لاستكشاف كيفية تعامل القطاع مع الجائحة، وفهم واقعه الحالي في ظل هذه الأزمة.
اعترف أحد الممارسين بصراحة بأن أداء تقنية البلوك تشين خلال الجائحة يشبه سلوك طفل لم ينضج بعد، وأنها ربما لا تزال غير مؤهلة لاجتياز اختبار وطني شامل في المدى القريب. بينما أشار محلل آخر إلى ضرورة أن تعمل مؤسسات البلوك تشين على تطوير قدرات فرقها، والتفكير بعناية في كيفية تمكين الشركاء الخارجيين من لعب دور فعال خلال الأزمة.
حتى البلوك تشين تعاني من انخفاض الكفاءة
أكثر المصطلحات انتشارًا في قطاع البلوك تشين خلال الجائحة هو «المكتب الموزع».
لي شيان (اسم مستعار)، العامل في القطاع، أكمل مؤخرًا عشرة أيام منذ بدء شركته تطبيق نموذج «المكتب الموزع». وأوضح لمراسل «بكين بيزنس ديلي» أن هذا النموذج يعني إمكانية أداء المهام من أي مكان عبر الإنترنت باستخدام أدوات التعاون عن بُعد، على غرار ما يفعله العديد من مطوري مجتمعات البلوك تشين مفتوحة المصدر الذين نادرًا ما يلتقون شخصيًا لكنهم يواصلون العمل بانتظام.
«فأنت لا تعرف أبدًا من خلف الشاشة: هل هي فتاة صغيرة أم رجل ضخم؟...» قال لي شيان مازحًا. في الواقع، مفهوم «المكتب الموزع» ليس جديدًا في القطاع. ولضمان كفاءة العمل عن بُعد، يُطلب من الموظفين تسجيل الحضور يوميًا وحضور الاجتماعات عبر الإنترنت وتقديم تقارير دورية. وبالفعل، تسير العديد من المهام القابلة للتنفيذ عبر الإنترنت وفق الجدول الزمني المحدد. لكن المشاريع الجديدة والمفاوضات المرتبطة بالأنشطة الميدانية تأثرت بشدة، حيث توقفت العديد من عمليات التعاون الميداني تمامًا بسبب الجائحة.
وأضاف لي شيان أنه كان يخطط للسفر إلى ووهان لمناقشة شراكة تجارية، لكن الخطة ألغيت بسبب الجائحة، كما تعذرت زياراته الميدانية إلى مدن أخرى. ورغم اعتماد نموذج «المكتب الموزع»، لا تزال كفاءة العمل والتواصل تواجه تحديات.
أما ليو غانغ (اسم مستعار)، زميل لي شيان في القطاع، فقد أمضى أيامًا دون غسل شعره، يعيش حياة روتينية تقتصر على الأكل والنوم. لكنه يختلف عن لي شيان؛ فقد استقال من منصبه الإداري في شركة ناشئة تعمل في البلوك تشين نهاية 2019، وكان يخطط لبدء مسيرة مهنية جديدة مطلع 2020. لكن الجائحة سبقت عرض العمل الجديد، فظل عاطلًا في منزله لشهور، وأصبح أمله الوحيد هو انتهاء الأزمة وعودة القطاع إلى طبيعته.
قال تشين مينغ (اسم مستعار)، المسؤول عن أعمال البلوك تشين في إحدى شركات الإنترنت العملاقة، لمراسل «بكين بيزنس ديلي»: «تأثير الجائحة على قطاع البلوك تشين مختلط، بين سلبي وإيجابي». فمن ناحية، تمثل الجائحة اختبارًا صعبًا للقطاع، أثر بشدة على الأعمال وربط المشاريع، ما أدى إلى تأجيل مشاريع وفشل شراكات، خاصة للشركات الناشئة الصغيرة والمتوسطة التي كانت قد بدأت للتو. لكنه أشار أيضًا إلى أن هذا الاختبار يمثل فرصة لإبراز ضرورة بناء أساس متين لنمو القطاع، يشمل الجانب التقني والأعمال والبيئة المحيطة، حتى لا يتأثر بشكل مفرط بالتقلبات الخارجية.
وأضاف تشين مينغ أن بعض أعمال شركته تأثرت أيضًا، خاصة المشاريع المشتركة مع جهات مثل الحكومات والمؤسسات، والتي تتطلب في مراحلها الأولى جهودًا مكثفة في التنسيق والمفاوضات يصعب استبدالها بالتواصل عبر الفيديو أو الهاتف.
بيانات لم تُدمج بعد في النظام البيئي الشامل للبلوك تشين
رغم التحديات، لا يزال قطاع البلوك تشين يقاوم الجائحة بطريقته الخاصة تحت وطأة هذا الاختبار الكبير.
فقد وفرت آلية الثقة التي تقدمها تقنية البلوك تشين روابط موثوقة خلال الأزمة. لاحظ مراسل «بكين بيزنس ديلي» تحرك العديد من مؤسسات البلوك تشين، حيث استخدمت بعض الشركات شبكات البلوك تشين التآزرية (Consortium Blockchain) لدعوة المؤسسات والصناديق المانحة لتسجيل بياناتها على السلسلة، مما يعزز الشفافية ويسمح بتتبع وإدارة التبرعات النقدية والعينية. كما أطلقت مؤسسات أخرى أول منصة وطنية لرصد الجائحة باستخدام البلوك تشين، لتتبع تطورات الفيروس في مختلف المدن الصينية وتسجيل بيانات الجائحة على السلسلة.
بالإضافة إلى ذلك، أطلق تطبيق علي باي (Alipay) في 7 فبراير منصة لخدمة معلومات المستلزمات الوقائية، تميزت باستخدام تقنية بلوك تشين شركة «آنت جروب» (Ant Group) للتحقق من معلومات الطلب والعرض والنقل وتسجيلها على السلسلة. كما قدم التطبيق دعماً مجانياً لقدرات الحوسبة على البلوك تشين لمطوري التطبيقات المصغرة المرتبطة بالجائحة، إلى جانب دعم مالي خاص.
كما تسارع شركة «دو شياو مان» (Du Xiaoman) في تطوير حلولها. وفي 9 فبراير، أفاد مصدر في الشركة لمراسل «بكين بيزنس ديلي» بأنها تستكشف تطبيقات متعددة في مجالات التتبع، والتوثيق، وإدارة العمليات والبيانات، وربط المستخدمين. وتسعى من ناحية لتحقيق تكامل كامل بين عمليات وبيانات التمويل لضمان دقتها، ومن ناحية أخرى لإشراك المستخدمين ليس كمتبرعين فقط، بل كمراقبين قادرين على تتبع مسار الأموال.
في هذا الصدد، أشار ليو فنغ، مدير مركز أبحاث تقنية البلوك تشين وتطبيقاتها في جامعة شنغهاي للتجارة الخارجية، إلى أن البلوك تشين أداة تنشئ نظام ثقة طبيعي عبر التكنولوجيا والخوارزميات، وبالتالي يمكن استخدامها لمعالجة مشكلة مصداقية التبرعات الخيرية التي تثير جدلاً واسعًا. عمليًا، يمكن استخدام دفتر الأستاذ الموزع (Distributed Ledger) وخصائص عدم إمكانية التلاعب بالمعلومات المسجلة على السلسلة لإنشاء ملفات سجل ائتمانية قائمة على العقد (Node-based Credit Information Archives). كما يمكن كتابة العقود الذكية (Smart Contracts) وفقًا للقوانين، وتنفيذ القرارات آليًا مع الإعلان الشفاف عن المواد المتبرع بها وسلاسل التوزيع عبر متصفح أعمال البلوك تشين، مما يعزز مصداقية المنظمات الخيرية.
ومع ذلك، ورغم جهود العديد من المؤسسات، لا تزال هناك نقاط صعبة في القطاع تتطلب حلاً عاجلاً. وأوضح تشين مينغ أن التحديات الرئيسية تتمثل في ضعف البنية التحتية للشركات والحاجة لتطوير التكنولوجيا الأساسية، بالإضافة إلى عدم كفاية استكشاف سيناريوهات الاستخدام وغياب المعايير الموحدة والنماذج التطبيقية في مختلف المجالات، ما يؤدي إلى عمل كل طرف بمفرده وغياب النظام البيئي المتكامل.
وأضاف: «في ظل هذا الاختبار الكبير المفاجئ، لماذا بدا رد فعل البلوك تشين مترددًا وكأنه طفل صغير؟ ولماذا بدا أداء العاملين في مجالات التوثيق والتتبع غير مقنع؟ هذا يعكس بدقة المرحلة المبكرة التي يمر بها القطاع، وقد لا يكون مستعدًا بعد لاجتياز اختبار وطني شامل.»
كما أشار ليو فنغ إلى أنه رغم الخطوات العملية لبعض المؤسسات، فإن تطبيقات البلوك تشين الواعدة مثل تتبع المعلومات والخدمات المالية اللامركزية لم تُستخدم بشكل مباشر وفعال في مواجهة الجائحة، مما يؤكد الحاجة الملحة لتكثيف جهود تطبيق التقنية في القطاعات الاقتصادية الحقيقية. كما كشفت الجائحة عن تحديات كبيرة تتعلق بأداء البنية التحتية للبلوك تشين وقدرتها على التعامل مع الطفرات المفاجئة في الطلب.
فرص النمو المستقبلية
رغم عدم بروزها تحت الأضواء واستمرار التحديات العملية، يرى العديد من الخبراء أن الجائحة ستترك أثرًا إيجابيًا على قطاع البلوك تشين، حيث تفوق الفرص التي تقدمها التحديات التي تفرضها.
كما قال ليو فنغ: «رغم أن الجائحة قد تؤدي إلى تقلص الأعمال والإيرادات للشركات الناشئة، فإن التفكير في زيادة الإيرادات وتقليل النفقات سيكون اختبارًا كبيرًا لها. ومع ذلك، فإن العمل الموزع والاستهلاك عبر الإنترنت أحدثا نموًا هائلاً، وقطاع البلوك تشين يتمتع بطبيعته بجين التعاون اللامركزي، وبالتالي فإن تأثير الجائحة على شركاته أقل بكثير من تأثيرها على الشركات التقليدية التي تعتمد كليًا على الأنشطة الميدانية.»
بالإضافة إلى ذلك، ترى تشن ون جون، أستاذة في جامعة فودان ومديرة مركز الاقتصاد الرقمي التنفيذي، أن الجائحة تمثل اختبارًا وفرصة في آن واحد لقطاع البلوك تشين. فالاختبار يكمن في قدرة القطاع على تنظيم عملياته عن بُعد، وكيفية التنافس مع شركات التكنولوجيا الأجنبية غير المتأثرة بالجائحة، والتعاون مع الجهات المعنية وسلاسل التوريد. وأشارت أيضًا إلى أن الحاجة إلى الحكومة الرقمية زادت خلال الجائحة، ما يشكل سيناريو ممتازًا لتقنية البلوك تشين، كما أن الحاجة الملحة لبناء الاقتصاد الرقمي ستسرع من تطبيقها العملي.
وبرأيها، يجب على المؤسسات تطوير قدرات فرق العمل لديها، والتفكير بعناية في كيفية التعاون عن بُعد، وكيف يمكن للشركاء الدوليين لعب دور مهم خلال الأزمة.
وأضاف ليو فنغ: «يجب على مؤسسات قطاع البلوك تشين أن تدمج التكنولوجيا مع الأعمال وفقًا للسياقات التي تعمل فيها، بحيث تحقق التكنولوجيا تحسينات ملموسة في الدقة والكفاءة، مما يسمح بإدخال التكنولوجيا المتقدمة حقًا في الحياة اليومية والعمل، ويرفع من رضا الجمهور ومستوى الخدمات المقدمة.»
وقال مسؤول تنفيذي في إحدى شركات البلوك تشين بصراحة: «في مواجهة الجائحة، لا نعتقد أن أهم ما يجب على القطاع فعله هو تطبيق تقنيته فورًا في سيناريوهات محددة لإبراز قدراته. وحقيقة أن القطاع لم يظهر تحت الأضواء في هذا الاختبار الكبير لا تُعتبر أمرًا محرجًا، أما أن يلجأ إلى الغش للوصول إلى الأضواء فهو بالفعل أمر محرج.» وأضاف: «بل نرى أن أفضل ما يمكن للقطاع فعله الآن هو التفكير بهدوء في مشكلاته وتوجهاته ونقاط ضعفه، ثم العمل بصمت واجتهاد لترسيخ أسسه، والتطور به بهدوء واستمرارية. نأمل ألا يشهد عام 2020 ازدهارًا وهميًا للبلوك تشين، بل ربما تكون الجائحة تحذيرًا مهمًا لهذا القطاع.»
