ملاحظة التحرير
أثناء انتقال سلسلة الكتل الصناعية من المرحلة الأولى إلى المرحلة المئة، فإن وجود تقنية سلسلة الكتل وحدها لا يكفي لحل المشكلات؛ بل يجب دمجها مع تقنيات أخرى مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. ولذلك، ترى منصة «زين لينك» (Zinc Link) أن عصر سلسلة الكتل الصناعية 2.0 هو عصر الاندماج التكنولوجي والارتقاء به.
إن سلسلة الكتل الصناعية ما زالت في مرحلتها 1.0، حيث لا تزال هناك فرص عديدة لم تُستغل بعد. وبصفتها وسيلة إعلام متخصصة في مجال سلسلة الكتل الصناعية، تدرك «زين لينك» هذه الفرص، كما تدرك القيود والعوائق التي تواجهها، مما يجعل سلسلة الكتل أقل فعاليةً مما كان يُتوقَّع منها — أي تقليل احتكاك الثقة وتعزيز الفائدة الاجتماعية. وفي الواقع، لا تزال معظم السيناريوهات تتطلب ضمانات ثقة شخصية أو مؤسسية.
وباستعارةٍ من كلمات جوزيف بوليتزر، عملاق الصحافة الأمريكية في القرن التاسع عشر، فإن وسائل الإعلام هي «الرُّبّان الذين يقفون في مقدمة سفينة الدولة الضخمة»، وعليهم أن يراقبوا العواصف المفاجئة والشعاب المرجانية الخفية لضمان سلامة الإبحار.
لقد تنبأت «زين لينك» بظهور سلسلة الكتل الصناعية، كما تنبأت بالعقبات التي ستواجهها. واليوم، نرى أن مفتاح تجاوز هذه العقبات يكمن في «الاندماج التكنولوجي».
المقال التالي يعرض أفكار الاقتصادي تشو جيا مينغ:
عادةً ما يعتقد الناس أن مصطلح «صناعة سلسلة الكتل» مستوحى من مصطلح «صناعة الإنترنت»، وأن الهدف هو إعادة تكرار التاريخ الناجح للتكامل العميق بين الإنترنت والقطاعات الاقتصادية، ليُبنى في النهاية نموذج صناعي قائم على تقنية سلسلة الكتل. وهذه النية الأصلية مبرَّرة تمامًا.
ومع ذلك، وفي الواقع الاقتصادي، فإن تطور «صناعة سلسلة الكتل» يسير بوتيرة أبطأ بكثير مما كان متوقعًا، ولا يمكن نسخ أو نقل الخبرات التاريخية المكتسبة من صناعة الإنترنت الصناعية. كما أنه لا يبدو أن هناك آفاقًا قريبة لتجاوز هذه العقبات. ولذلك، فإن التفكير الجاد في هذه الظاهرة أصبح ضرورة ملحة الآن.
صعوبة سلسلة الكتل الصناعية: عدم إمكانية نسخ نموذج الإنترنت الصناعي
إذا قورنت تقنية سلسلة الكتل بتقنية الإنترنت من عدة أبعاد — مثل التقنية نفسها، وتسلسل التصنيع، وآليات التطور، وأنماط التطبيق، ونماذج التوسُّع — فسنجد اختلافات جوهرية بينهما.
أولاً، تختلف تقنية سلسلة الكتل عن تقنية الإنترنت. فتقنية الإنترنت هي مزيج من تقنيات الحوسبة، وتكنولوجيا المعلومات، والاتصالات، أو بعبارة أخرى، يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أجزاء: الأجهزة (Hardware)، والبرمجيات (Software)، والتطبيقات (Applications). ولتقنية الإنترنت خصائص فيزيائية واضحة وقوية، إذ تشمل أجزاؤها المادية أجهزة تخزين ومعالجة ونقل البيانات، وأجهزة الاتصال الشبكية. ويكتسب كابل الشبكة (Network Cable) أهمية استثنائية باعتباره العنصر البنائي الأساسي للشبكة، لأن الإنترنت لا يمكن أن توجد بدونه. أما الإنترنت المتنقلة فهي تتطلب الهواتف الذكية لتحقيق وظائفها.
وبالمقارنة مع تقنية الإنترنت، فإن تقنية سلسلة الكتل تقوم على أساس تقنية الإنترنت المتقدمة والمتطورة باستمرار، بينما تقع البنية التحتية المادية لها — بما في ذلك الأجهزة وحتى التقنيات الصلبة — في الطبقة السفلية للغاية من هرم سلسلة الكتل. وبعبارة أخرى، فإن تقنية سلسلة الكتل تتجسَّد أكثر في أشكال غير مادية، وغير فيزيائية، وغير مرتبطة بالأجهزة. ومن الصعب جدًّا إدراك تقنية سلسلة الكتل بشكل مباشر، فهي تقنية «غير مرئية وغير ملموسة»، ما يجعل شرحها أمرًا صعبًا نسبيًّا. ثانيًا، يختلف تسلسل التصنيع بين سلسلة الكتل والإنترنت. فتاريخ تطور الإنترنت هو في الوقت نفسه تاريخ تشكُّل صناعة الإنترنت، حيث أدت تطوير التقنيات الأساسية في مجال تكنولوجيا المعلومات، ثم تحويلها إلى منتجات تقنية، ثم تصنيع المكونات والوحدات والأنظمة، وأخيرًا دمج هذه المنتجات في أنظمة متكاملة، إلى ظهور عدد كبير من الشركات المتخصصة في أجهزة الإنترنت. وهكذا وُلد وادي السيليكون.
وفي هذا السياق بالذات، وُضِع «قانون مور» (Moore’s Law). وعلى سبيل المثال، فإن عملية استبدال الجيل الرابع (4G) بالجيل الخامس (5G) في إنترنت الأشياء هي في حقيقتها عملية توليد تقنيات جديدة وأسواق جديدة وشركات جديدة. لكن تقنية سلسلة الكتل لا يمكنها أن توجد بشكل مستقل، بل تعتمد بالضرورة على تقنية الإنترنت، وبالتالي فمن غير المرجح أن تظهر في المدى القريب مجموعة من الشركات المتخصصة في تطوير البرمجيات والأجهزة المرتبطة بسلسلة الكتل. أما تحقيق الإنتاج الضخم والتصنيع الكامل لهذه التقنية، فهو بالتأكيد يتطلب وقتًا أطول بكثير.
ثالثًا، تختلف آليات التطور بين سلسلة الكتل والإنترنت. فالتاريخ يدل على أن الحكومات والدول لعبت دورًا محوريًّا في المراحل المبكرة من تطور الإنترنت. وبعد ذلك، تم حل مشكلة «الاتصال عبر الشبكات المختلفة» (Inter-networking) من خلال سلسلة من الاتفاقيات الدولية، مثل بروتوكول التحكم في الإرسال/بروتوكول الإنترنت (TCP/IP)، وبروتوكول نقل النص التشعبي (HTTP) في طبقة التطبيقات، ما مكَّن الإنترنت من النمو بسرعة هائلة على مستوى العالم.
أما سلسلة الكتل فهي في وضع مختلف تمامًا؛ فقد حققت تأثيرًا عالميًّا بفضل البيتكوين، وظهر الإيثريوم دون أي تدخل حكومي. وبالمثل، فإن تطبيقات وتوسعات السلاسل الخاصة (Private Chains)، والسلاسل العامة (Public Chains)، والسلاسل الاتحادية (Consortium Chains) لم تكن بحاجة إلى أي اتفاقيات دولية أو تدخل خارجي. والسبب في ذلك هو أن سلسلة الكتل نفسها هي في جوهرها بروتوكول، أو بعبارة أخرى، تمتلك خصائص بروتوكولية مدمجة. فهي تستخدم تقنية الإنترنت، عبر سلسلة من البروتوكولات، لتحقيق الوظائف والسمات التي نعرفها اليوم باسم «سلسلة الكتل». ومع ذلك، فإن بروتوكولات سلسلة الكتل تُطبَّق ضمن حدود المجتمعات فقط، ما يؤدي بطبيعته إلى صعوبة «الاتصال بين السلاسل المختلفة» (Cross-chain).
رابعًا، تختلف أنماط التطبيق بين سلسلة الكتل والإنترنت. فالإنترنت تمتلك بطبيعتها خصائص المنصة، وتتيح تفاعلًا رخيص التكلفة بين الأفراد وبين الأفراد والمعلومات، سواء كانت نصوصًا أو أصواتًا أو صورًا، وبشكل يقترب من اللانهاية. وليس هذا فحسب، بل يمكن للإنترنت أيضًا تحسين التبادل الشخصي للمعلومات، ودمج الموارد المعلوماتية وتكبير تأثيرها.
ولذلك، أنجبت الإنترنت شركات مثل غوغل (Google) في مجال محركات البحث، وفيس بوك (Facebook) وتويتر (Twitter) في مجال المنصات الاجتماعية، وأمازون (Amazon) وعلي بابا (Alibaba) في مجال التجارة الإلكترونية، ما أدى في النهاية إلى تشكُّل صناعة إنترنت جديدة.
أما في مجال تطبيقات سلسلة الكتل، فإن تكرار هذه التجربة التاريخية سيكون صعبًا للغاية في المدى القريب. وأهم سبب لذلك هو أن سلسلة الكتل لا تستطيع خلق طلبٍ هائل على عدد لا نهائي من الأفراد، بحيث يصبح هؤلاء الأفراد في الوقت نفسه مستخدمين ومبدعين لسلسلة الكتل.
خامسًا، تختلف نماذج التوسُّع والانتشار بين سلسلة الكتل والإنترنت. ففي مسار تشكُّل صناعة الإنترنت، بمجرد ظهور شركة «رائدة»، تنشأ على الفور تأثيرات توضيحية (Demonstration Effect) ذات طابع عالمي. فعلى سبيل المثال، وجود أمازون أدى إلى ظهور علي بابا، ووجود فيس بوك وتويتر أدى إلى ظهور واتساب (WeChat). كما تتميز شركات الإنترنت بخاصية الاختراق المتبادل؛ فوجود الشركة (أ) يؤدي إلى ظهور الشركة (ب)، وبوجود الشركتين (أ) و(ب)، يصبح ��هور الشركة (ج) أمرًا لا مفر منه. علاوةً على ذلك، فإن ميزة الإنترنت في السوق الاستهلاكية (C-end) واضحة جدًّا، بينما يعتمد تبني سلسلة الكتل في الغالب على القطاع المؤسسي (B-end). وبالتالي، فإن نسخ نماذج تطبيق الإنترنت، أو نماذج انتشار وتوسع صناعة الإنترنت، في مجال سلسلة الكتل أمرٌ بالغ الصعوبة. (وفي الصين، يتركز تركيز سلسلة الكتل على القطاع المؤسسي أكثر، ويعود ذلك في المقام الأول إلى السياسات الحكومية.)
إن تطور سلسلة الكتل الصناعية يعتمد على مسار التحول الرقمي
أولاً، فإن النموذج الأساسي لسلسلة الكتل الصناعية يفرض قيودًا كبيرة على تطورها. وفي الوقت الحالي، تتجلى علاقة سلسلة الكتل بالقطاعات الاقتصادية في ثلاث طرق:
١) القطاعات التي تمتلك علاقة جينية طبيعية مع سلسلة الكتل، مثل قطاع العملات الرقمية المشفرة الممثلة بالبيتكوين، والقطاعات المالية المرتبطة بها مباشرةً؛
٢) القطاعات التي يمكن إعادة هيكلتها بالكامل باستخدام سلسلة الكتل، مثل قطاع الملكية الفكرية (IP)، وقطاع الخدمات القانونية وخدمات المحاسبة؛
٣) القطاعات التي تُطبَّق فيها تقنية سلسلة الكتل دون تغيير جوهري في طبيعتها، مثل الزراعة، وصناعة الأغذية، والتصنيع، وصناعة المواد الخام، وقطاع الطاقة، وقطاع النقل.
وفي الاقتصاد الحقيقي، فإن تطبيقات سلسلة الكتل في النموذج الأول تكون تقنيًّا ناضجة ولها إمكانات تطبيقية واسعة، لكنها تواجه قيودًا تنظيمية حكومية وتحديات تتعلق بدرجة قبول الجمهور. أما بالنسبة للنموذج الثاني، فبالرغم من اتساع مجال تطويره، فإن تأثيره على الاقتصاد ككل محدود نسبيًّا.
وفي الواقع، فإن النموذج الثالث — أي الاقتصاد الحقيقي — هو الذي يحتاج أكثر ما يحتاج إلى تقنية سلسلة الكتل، وهو في الوقت نفسه النموذج الذي تواجه فيه تطبيقات سلسلة الكتل أكبر التحديات. وبغياب التكامل بين تقنية سلسلة الكتل والاقتصاد الحقيقي، ستظل سلسلة الكتل الصناعية عالقة في مراحلها الأولية. (يركز هذا الجزء أساسًا على صناعة سلسلة الكتل وعناصرها المكوِّنة. أما مصطلح «سلسلة الكتل الصناعية» المستخدم في وسائل الإعلام حاليًّا، فيشير غالبًا إلى استخدام سلسلة الكتل لخدمة الشركات (B-end)، أو اعتماد القطاعات الاقتصادية الحقيقية لتكنولوجيا سلسلة الكتل.)
ثانيًا، يشترط تحقيق سلسلة الكتل الصناعية أن يمر الاقتصاد الحقيقي أولًا بعملية التحول الرقمي. فدمج تقنية سلسلة الكتل مع الاقتصاد الحقيقي التقليدي يتطلب شرطًا أساسيًّا، وهو أن يكمل الاقتصاد الحقيقي أولًا عملية التحول الرقمي. وفي هذا السياق، فإن التحول الرقمي للصناعة — أي القطاع الثاني من الاقتصاد — أو التحول الرقمي للصناعات التحويلية، يُعدُّ الأولوية القصوى.
والواقع أن عدد الاقتصادات التي تشارك في تقنيات التحول الرقمي المتقدمة على مستوى العالم محدود جدًّا، وتشمل هذه التقنيات: الطاقة الكهربائية والطاقة المتجددة، ومنصات البرمجيات، وإنترنت الأشياء، وتحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات الصناعية. وبهذه المعايير، فإن الغالبية العظمى من الدول لا تزال تعيش حالة تزامن بين مراحل مختلفة من الثورات الصناعية، وتستخدم تقنيات إنتاج متنوعة تنتمي إلى عصور مختلفة.
فإذا لم تُبنى البنية التحتية الرقمية الأساسية في الاقتصاد الحقيقي التقليدي، ولم تُدمج تقنيات جمع وتحليل البيانات الضخمة، فإن إدخال تقنية سلسلة الكتل سيكون أمرًا شبه مستحيل. وبعبارة أخرى، إذا كانت الصناعات التحويلية التقليدية قد حققت بالفعل التحول الرقمي والتصنيع الذكي، فإن إدخال تقنية سلسلة الكتل لن يكون أمرًا طبيعيًّا فحسب، بل سيحقق فوائد ملموسة وواضحة.
ثالثًا، يجب أن تتعامل تقنية سلسلة الكتل مع فجوة التحول الرقمي. ولتحقيق أهداف صناعة سلسلة الكتل في المستقبل، يجب الانتباه إلى التوزيع غير المتوازن للتحول الرقمي في الاقتصاد الحقيقي بين الدول والمناطق والقطاعات المختلفة، ويجب التركيز على بناء البنية التحتية الرقمية، ودمج التقنيات الرقمية الجديدة في المصانع والشركات المنتجة القائمة.
وفي الوقت نفسه، تتطلب تقنيات التصنيع الرقمي مهاراتٍ مُحدَّدةً مثل التحليل الرقمي. ولا يمكن تطبيق تقنية البلوكشين ونقلها بنجاح إلا على أساسٍ متينٍ بعد سد الفجوة الرقمية وتمكين الاقتصاد الحقيقي من اكتساب القدرات الاستثمارية والتقنية والإنتاجية اللازمة للتحول الرقمي. فالاقتصاد الحقيقي التقليدي لا يولد طلبًا حقيقيًّا على تقنية البلوكشين إلا بعد إنجازه لعملية التحول الرقمي؛ أما محاولة تسريع هذه العملية دون توفر البنية التحتية المناسبة فهي بمثابة «سحب الشتلات لتسريع نموها»، مما يؤدي إلى عكس المقصود تمامًا. وفي الواقع، يُشكِّل هذا العامل العقبة الرئيسية التي تواجه حاليًّا انتقال تقنية البلوكشين إلى القطاعات الصناعية.
إن دمج صناعة البلوكشين مع القطاعات التقليدية لا يعني ببساطة زرع تقنية البلوكشين داخل هذه القطاعات، بل إعادة بنائها بالكامل على شبكة البلوكشين. وهذا يشبه تمامًا العلاقة بين قطاع الإنترنت والقطاعات الأخرى. فعلى سبيل المثال، لا يُعد افتتاح متجر تقليدي لموقع إلكترونيٍّ خاصٍّ به أمرًا يجعله «تجارة إلكترونية». فالتجارة الإلكترونية تعني إعادة تنفيذ عمليات البيع والشراء عبر الإنترنت، وهي نموذج عملٍ جديدٌ تمامًا.
وهكذا أيضًا بالنسبة لدمج البلوكشين مع القطاعات الصناعية: فالمطلوب ليس أن تقوم القطاعات التقليدية بتطوير تطبيقٍ واحدٍ فقط مبنيٍّ على تقنية البلوكشين، بل إعادة هيكلة هذه القطاعات بأكملها على شبكة البلوكشين، بحيث تصبح «صناعات قائمة على البلوكشين»، وليس مجرد «بلوكشين + قطاع» أو «قطاع + بلوكشين».
مستقبل «الصناعة القائمة على البلوكشين» يكمن في ظهور قطاعات صناعية جديدة تمامًا
إن هيكل القطاعات الاقتصادية يشهد تغيُّرًا جذريًّا، ما يستدعي من تقنية البلوكشين أن تبحث عن سبل دمجها مع قطاعات صناعية جديدة تمامًا.
ففي ثلاثينيات القرن العشرين، قدَّم الاقتصادي البريطاني رونالد أيلمر فيشر (Ronald Aylmer Fisher، 1890–1962) في كتابه «صراع الأمان والتقدُّم» (The Clash of Security and Progress) نظريةً ومنهجيةً شاملتين لتصنيف القطاعات الاقتصادية إلى «ثلاثة قطاعات»، وأجرى تحليلًا تجريبيًّا لتطور هيكل القطاعات بعد الثورة الصناعية.
وبعد ذلك، أصبح من المقبول على نطاق واسع أن الاقتصاد البشري قبل الثورة الصناعية كان يعتمد بشكل رئيسي على القطاع الأول، مثل الزراعة وتربية الماشية والحراجة. أما بعد الثورة الصناعية، فقد نشأ القطاع الثاني نتيجة لصناعة الآلات، ليحل محل القطاع الأول كمحرك رئيسي للاقتصاد الوطني عبر التصنيع. وفي منتصف القرن العشرين، برز القطاع الثالث أولًا في الدول المتقدمة، وجذب كمًّا كبيرًا من رؤوس الأموال والعمالة، ليحل بذلك محل القطاع الثاني في موقعه القيادي.
والسؤال هنا هو أن منهجية تصنيف القطاعات التي وضعها فيشر في ثلاثينيات القرن العشرين قد مضى عليها الآن سبعون أو ثمانون عامًا، بينما شهد هيكل القطاعات العالمي تحوُّلات جذرية مقارنةً بزمن فيشر، ما جعل محدودية وعيوب نظام «الثلاثة قطاعات» — وبخاصةً في ما يتعلق بالقطاع الثالث — تظهر بشكلٍ متزايد.
ولذلك، ونظرًا لاتساع نطاق القطاع الثالث، فقد تم استحداث «القطاع الرابع» لضم المجالات المرتبطة بالعلوم والتكنولوجيا والمعرفة، كما تم تجميع قطاعات الثقافة والإبداع تحت مسمى «القطاع الخامس»، فيما أُدرجت القطاعات العامة غير الربحية ضمن «القطاع السادس».
أما «القطاعات الجديدة تمامًا» التي تحتاج تقنية البلوكشين إلى الاندماج معها فهي تشمل قطاعات المعرفة والتكنولوجيا والثقافة والأفكار. ويتميز دمج البلوكشين مع هذه القطاعات الجديدة بمزايا رقمية جوهرية منذ البداية، كما توجد فيها حاجة قوية جدًّا لهذه التقنية، ويمكن أن تحقق نتائج ملموسة واضحة بعد التطبيق. وبالمقارنة مع الاقتصاد الحقيقي التقليدي، فإن هذه القطاعات الجديدة لم تعد مقيدة بعوامل الإنتاج التقليدية كالرأسمال والعمالة والأرض، كما أن منتجاتها لم تعد مرتبطة بالهيكل المادي، وبالتالي فهي لا تتعرض للتآكل أو الاستهلاك أو حتى التخلُّص منها. بل تعتمد هذه القطاعات الجديدة بشكل أكبر على المعلومات والبيانات والمعرفة والأفكار، حيث تكتسب البيانات أهمية بالغة لتكون عامل الإنتاج الأهم فيها.
وبالتالي، فإن هذه القطاعات الجديدة — وبخاصة تلك ذات الطابع الافتراضي والتي تمثِّل مستقبل الاقتصاد — هي الأكثر حاجةً إلى تقنية البلوكشين. فعلى سبيل المثال، تُعد عمليات إنشاء الأعمال الفنية والموسيقية والرقصية عملية رقمية بطبيعتها، كما أن حماية حقوق الملكية الفكرية لهذه الأعمال بعد إنجازها، واهتمام الجمهور بها وتجاربهم معها، وعمليات تداولها، ستختلف جذريًّا بفضل تقنية البلوكشين.
كما تظل تقنية البلوكشين ذات أهمية بالغة لمستقبل قطاع الخدمات المالية. فعلى القطاع المالي التقليدي، وكذلك الأسواق المالية والأسواق النقدية المرتبطة به، أن ينهي الاحتكار الشديد للنقود والموارد المالية والتوزيع غير العادل لها، وأن ينتقل تدريجيًّا نحو التمويل الشامل. وهنا تلعب تقنية البلوكشين دورًا محوريًّا في إعادة بناء قطاع الخدمات المالية في المستقبل. فعلى سبيل المثال، سواء كانت العملات المستقرة (Stablecoins) مدعومةً بأصول أو تعتمد على الخوارزميات، فإنها جميعًا في النهاية تتطلب دعم تقنية البلوكشين. أما مختلف أنواع الرموز المميزة (Tokens)، فهي كذلك لا يمكن أن توجد إلا في إطار تقنية البلوكشين.
الاستنتاج: السعي إلى آلية «الارتباط بين القطاعات»
في علم الاقتصاد القطاعي، توجد «نظرية الارتباط بين القطاعات»، التي تركز أساسًا على نقطتين: (1) وجود علاقة بين القطاعات المختلفة من حيث المدخلات الوسيطة والمخرجات الوسيطة. وقد قدَّم ليونتييف (Leontief) منهج «المدخلات-المخرجات» (Input-Output) الذي يوفِّر نماذج وأساليب لتحليل المدخلات والمخرجات الوسيطة بين مختلف القطاعات. (2) تتشكل تدريجيًّا علاقات ارتباط أمامية وخلفية بين القطاعات المرتبطة، مع آثار انتشارية تطال قطاعات أخرى. أما مفهوم «سلسلة القيمة» (Supply Chain) الذي طرحه الباحثون لاحقًا، فهو في الحقيقة يصف حالة من حالات الارتباط بين القطاعات.
وعند مناقشة صناعة البلوكشين اليوم، يجب إدخال فكرة «الارتباط بين القطاعات» في التحليل. فنجاح قطاع الإنترنت يعود جزئيًّا كبيرًا إلى آلية «الارتباط بين القطاعات»، التي سمحت له بالتوسع والترسيخ عبر الروابط الداخلية بين القطاعات المختلفة.
وبالمثل، فإن صناعة البلوكشين بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى البحث عن آلية «الارتباط بين القطاعات»، وإنشاء نظام عقد ارتباطية، وبناء علاقات تفاعلية واعتماد متبادل بين القطاعات وتقنية البلوكشين، مما يؤدي في النهاية إلى تحفيز دمج التقنيات وزيادة الطلب على رؤوس الأموال وخلق فرص العمل، ورفع أرباح الشركات التي تعتمد تقنية البلوكشين وكفاءة استخدامها لرؤوس الأموال، وتشكيل سلسلة قيمة قائمة على البلوكشين، تجنُّبًا لظاهرة «عزل تطبيقات البلوكشين» (Blockchain Silos).
وبالإضافة إلى ذلك، فإن التطوير الشامل والتحديث المستمر لتكنولوجيا البلوكشين، وتوسيع الأسس العلمية التي تقوم عليها، يشكلان عاملين حاسمين في تكوين ونمو صناعة البلوكشين.
