المصدر: جون لين
في الآونة الأخيرة، طرح قارئٌ سؤالاً مُربكًا على جون لين:
"خلال السوق الهابطة لأسهم A في العام الماضي، انخفضت أسعار معظم الأسهم التي اشتريتها بنسبة 50٪ تقريبًا، وخسرتُ خسائر فادحة... آه!"
"هل يُمكن حقًّا لشخصٍ عاديٍّ مثلي أن يصبح ثريًّا من خلال تداول الأسهم؟ هل هذا أمرٌ واقعيٌّ فعلًا؟"
وقد تأمَّلتُ في هذا السؤال لفترةٍ طويلة، وشعرتُ بأن الإجابة عنه باختصارٍ شديدٍ ستكون صعبةً للغاية. ولعلّ سرد قصةٍ كاملةٍ عن مسار نجاح أحد كبار المُحلِّلين الماليين (المؤثرين) في سوق الأسهم قد يُلقي ضوءًا مفيدًا عليك.
١
فلنعد إلى ما يزيد على مئة عامٍ مضى.
في أوائل القرن العشرين، كانت حالة سوق الأسهم الأمريكية مشابهةً جدًّا لحالتها في بلادنا اليوم.
وكانت الاقتصادات تزدهر بسرعةٍ كبيرة، وتتجه نحو التحوُّل إلى قوةٍ عظمى مستقبلية، بينما كانت أسعار مختلف الأصول ترتفع بشكلٍ كبير. فكان هناك من يستثمر في العقارات، ومن يتداول الأسهم، ومن يمارس المضاربة، وكل هؤلاء كانوا يجنون أرباحًا طائلة.
وقد أُطلق على تلك الحقبة اسم "عصر الذهب المطلي".
وفي ذلك الوقت، كانت سوق الأسهم تخضع للسيطرة والتحكم من قِبل القلة المالية النافذة والمضاربين غير الشرعيين، وكانت تتسم بتقلباتٍ هائلة وفوضى عارمة.
وأشهر هؤلاء القلة المالية النافذة كان جي بي مورغان.
فقد حقَّق أول أرباحٍ له من تجارة القهوة، ثم أسس شركة مورغان التجارية، وفي عام 1873 حقَّق انتصارًا تاريخيًّا غير مسبوقٍ على عائلة روتشيلد الأوروبية في صفقة تمويل حكومية ضخمة جدًّا للسندات، ليبدأ بذلك صعوده الباهر.
وفي حوالي عام 1900، نجح تحالف مورغان المالي في إبرام عدة صفقات استثنائية، منها دمج عددٍ من شركات الكهرباء (بما في ذلك شركة المخترع العظيم إديسون) لتشكيل شركة جنرال إلكتريك، وكذلك إعادة هيكلة عددٍ من شركات الحديد والصلب (بما في ذلك شركة رجل الأعمال العظيم كارنيغي) لتكوين شركة الولايات المتحدة للصلب.
وبحلول عام 1912، كانت مجموعة مورغان تسيطر على ثلث أصول البنوك الأمريكية، وثلثي أصول شركات التأمين، وثلثي أصول خطوط السكك الحديدية، وربع أصول القطاع الصناعي.
أما أشهر المضاربين غير الشرعيين فهو جاي غولد.
وقد بدأ حياته كمُسوِّقٍ عاديٍّ في قاعدة الهرم الوظيفي، ثم تدرَّج حتى أصبح المدير العام لإحدى شركات السكك الحديدية الأمريكية.
وخلال فترة تولّيه المنصب، رشى هذا الشخص عددًا كبيرًا من أعضاء البرلمان الحكومي، وحقّق الاكتتاب العام للشركة عبر التزوير المالي، وروّج لمفاهيم وهمية، وأصدر أسهمه بأسعار مرتفعة جدًّا، ثم باعها لتحقيق أرباح سريعة، وأثار ذعرًا واسع النطاق لخفض أسعار الأسهم والشراء منها لاحقًا بأسعار منخفضة، محقّقًا ثروة طائلة.
فعلى سبيل المثال، يعود مصطلح «الجمعة السوداء» إلى كارثة ذعرٍ ناجمة عن تلاعب غولد (Gould).
وفي تلك الحقبة الفوضوية، كان هناك عدد لا يُحصى من القوى المالية المهيمنة مثل عائلة مورغان (Morgan)، وكونسورتيوم روكفلر (Rockefeller)، إضافةً إلى مشغّلين سريين ضارّين مثل غولد.
وكانت أسواق الأسهم في تلك الفترة تتسم بالارتفاعات والانخفاضات الحادة، حيث بدا أن تقلبات أسعار الأسهم لا علاقة لها على الإطلاق بقيمة الشركات الفعلية.
وبالتالي، كانت سوق الأسهم تشبه الكازينو تمامًا؛ فكان بعض الأشخاص يصبحون أثرياء فجأة في ليلة واحدة، بينما قد يتحول آخرون إلى فقراء معدمين في ليلة واحدة أيضًا، بل وقد ينتهي بهم الأمر مثقلين بالديون.
ولا يمكنك أبدًا التنبؤ بما إذا كانت أسعار الأسهم ستزداد أم تنخفض غدًا.
إلا أن شابَّين نجحا في تحقيق ذلك، وسرعان ما اكتسبا شهرة واسعة في سوق الأسهم، ونالا لقب «إلهي الأسهم» في عصرهما.
وهذان الشابان هما ليفيرمور (1877–1940) وجاين (1878–1955).
وقد نشأ كلاهما في أسر فقيرة، وحصل كلٌّ منهما في وقت مبكر على وظيفة كوكيل لدى شركة وساطة مالية، لمساعدة العملاء في تداول الأسهم.
وكان ليفيرمور قد اكتسب شهرته في وقت مبكر نسبيًّا، إذ خرج إلى عالم الأعمال منذ سن الخامسة عشرة، ووظّف راتبه بالكامل في سوق الأسهم، وكان راتبه الشهري حينها لا يتجاوز 20 دولارًا أمريكيًّا.
وليس ذلك مهمًّا، فبفضل ذكائه الفطري، كان حساسًا للغاية تجاه الأرقام المتعلقة بتقلبات الأسعار، واستفاد من استثماراته الدقيقة في السوق الصاعدة، مع استخدام الرافعة المالية، ليتضاعف رأسماله خلال سنة واحدة ليصل إلى 10 آلاف دولار أمريكي.
إلا أن هذا النجاح لم يدم طويلًا، ففي أعقاب دخول السوق في مرحلة هبوطية، تراجعت أسعار الأسهم التي امتلكها ليفيرمور بشكل كبير، وانخفضت ثروته تقريبًا إلى الصفر.
إلا أن الشباب لا يستسلمون بسهولة أمام الفشل الواحد، فقد اعتبر ليفيرمور أن ذلك مجرد سوء حظ.
وفي عام 1901، عادت سوق الأسهم الأمريكية إلى حالة صاعدة مرة أخرى، فاستعار ليفيرمور 5000 دولار أمريكي من أشخاص آخرين، وعاد إلى السوق، وحقق سريعًا ربحًا قدره 50 ألف دولار أمريكي.
وفي السنوات التالية، توسّعت أصوله تدريجيًّا، حتى وصل إجمالي ثروته عند بلوغه سن 31 عامًا إلى 5 ملايين دولار أمريكي.
وكان 5 ملايين دولار أمريكي في تلك الحقبة تعادل تقريبًا مستوى الملياردير اليوم.
وبحسب ما نشرته الصحف الشعبية في تلك الفترة، عاش ليفيرمور حياةً فاخرةً للغاية بعد أن اكتسب ثروته، حيث اشترى فيلاً في مانهاتن، واشترى يختًا، وتردد على الأندية الراقية في نيويورك، وكان لديه عددٌ لا يُحصى من العشيقات.
وكانت شخصيته المُلهمة هي جي. بي. مورغان.
ومع ذلك، يبدو أنه لم يحظَ بحظِّ مورغان.
وبعد بضع سنوات، أفلس مرةً أخرى.
وهذه الخسارة جعلته يشعر بالألم ويبدأ في التشكيك في معنى الحياة. وفي الوقت نفسه، ظهر نجمٌ جديدٌ آخر.
وهذا الشخص هو جان.
ويصغر ليفيرمور سنةً واحدة، لكنه دخل سوق الأسهم بعد عشر سنوات.
كما تأخر شهرته أكثر، إذ لم يكتسب شهرةً طفيفةً في وول ستريت إلا عام 1908، عندما بلغ الثلاثين من عمره.
وخلافًا لليفيرمور الذي كان ماهرًا في التداول، وذو حسٍّ حادٍّ في استشعار اتجاهات السوق، وبأسلوبٍ جريءٍ وواسع النطاق، فإن جان كان أكثر مهارةً في البحث، وهو مؤسس نظريات التحليل الفني.
وكان يرى أن أسعار الأسهم ليست عشوائية، بل يمكن التنبؤ بها.
وكل سهمٍ له معدل تقلبٍ فريدٍ يحكم صعود وهبوط سعره في السوق. ومن خلال تحليل المسارات التاريخية، ودمج الرياضيات والأشكال الهندسية، ابتكر سلسلةً من نظريات التحليل الفني.
مثل قانون التقلبات، وخطوط زوايا جان، ومربع جان، وسداسي جان، وغيرها.
وبما أن السوق كان في مرحلة صاعدة آنذاك، استخدم المستثمرون نظرياته الفنية لتوجيه عمليات شراء وبيع الأسهم، وانتشرت الشائعات بأن دقة تنبؤاته كانت عالية جدًا، فازدادت الضجة الإعلامية سريعًا.
وهكذا وصفته وسائل الإعلام في ذلك الوقت:
إنه مذهلٌ للغاية! فقد شاهده بعض الناس وهم يحوّلون 130 دولارًا إلى 12000 دولار، ومعدل نجاح صفقاته يتجاوز 90%، وهذه المنهجية الاستثمارية الأسطورية لم تُسجل سابقًا في الأسواق المالية!
وبفضل الدعاية الإعلامية، بدأ جان بإصدار كتبه واحدة تلو الأخرى، مثل «جوهر تحركات الأسهم»، و«مُنتقي أسهم وول ستريت»، و«فلسفة جان الاستثمارية»، و«أربعون وخمس سنوات في وول ستريت»... إلخ.
وقد أصدر جان خلال حياته العشرات من الكتب، وكل كتابٍ منها باع أكثر من 100000 نسخة.
كأيقونة جديدة في سوق الأسهم، جذب شهرتهُ عددًا لا يُحصى من الأشخاص الذين قدموا لزيارته، ومن بينهم ليفيرمور.
والتقى الرجلان عدة مرات، واحترم كلاهما إنجازات الآخر وشهرته، لكنهما لم يتعاونا أبدًا في النهاية بسبب اختلاف المبادئ.
فما هي طبيعة هذا الاختلاف؟
كان غان نظريًّا في الأصل، وأهم مبدئين في نظريته هما:
الأول: إن سوق الأسهم تتمتع باتجاهات رئيسية دورية، ويجب التداول وفق هذه الاتجاهات فقط، ولا يجوز مخالفتها؛
وفي داخل الاتجاه الرئيسي توجد اتجاهات فرعية، وباستغلال الفرص الاحتمالية المستندة إلى أنماط الصعود والهبوط التاريخية للأسعار، يمكن تحقيق أرباح تدريجية تتراكم مع الوقت لتصبح كبيرة وتؤدي إلى الثروة.
الثاني: ولتحقيق الأرباح على المدى الطويل في سوق الأسهم، يجب تعلُّم وقف الخسارة؛
ويجب تحديد خط الخسارة بدقة شديدة، والانسحاب الفوري عند تجاوزه دون أي تردد أو تعلُّق؛
ففقط بالحفاظ على رأس المال يمكن إعادة البناء بعد الخسارة.
ورأى أن ليفيرمور كان طامعًا جدًّا، إذ كان يركّز فقط على كيفية تحقيق أرباح ضخمة، ويستخدم الرافعة المالية بشكل مفرط، مما يجعله عرضة للسقوط بسهولة.
أما ليفيرمور فقد كان عمليًّا في الأصل، ولم يكن مهتمًّا إطلاقًا بنظرية الشراء والبيع في ذروة التقلبات وجمع الأرباح التدريجية.
ورأى أن تحقيق الأرباح الكبيرة لا يمكن أن يعتمد على التقلبات القصيرة الأجل في الأسعار، بل يجب أن يرتكز على التقلبات الكبيرة. وبعبارة أخرى، لا ينبغي التركيز فقط على التقلبات الفردية، بل يجب تحليل الاتجاه العام للسهم والاتجاه الشامل للسوق.
أي أن يُحقَّق الفوز في معركة واحدة حاسمة.
أي أنه رغم كون ليفيرمور أيضًا متداولًا مضاربًا، فإنه لم يسعَ أبدًا إلى المعاملات القصيرة الأجل السريعة الدخول والخروج، واعتبر أن تكرار العمليات يزيد من احتمالات الخطأ والفشل.
وبالتالي، فإن تحقيق الأرباح الكبيرة يتطلب فقط استغلال الفرص الحاسمة بدقة عالية، ثم المضي قدمًا بجرأة باستخدام الرافعة المالية.
أما دقة استغلال الاتجاهات الكبرى، فهي تعتمد في الغالب على الحس الحاد تجاه حالة السوق.
أما تلك الاحتمالات الرياضية والأشكال الهندسية، فهي في رأيه مجرد خدعٍ لا أساس لها من الصحة، وغير دقيقة إطلاقًا.
وبعبارةٍ أخرى، وعلى الرغم من أن كلا الرجلين كانا من مشهورِ المضاربين على الاتجاهات، فإن أسلوبَيْ مضاربتهما يختلفان تمامًا:
أحدهما متحفِّظٌ أكثر، ويسعى إلى التراكم التدريجي للربح، فيشتري بأقل سعر ويبيع بأعلى سعر ضمن التقلبات القصيرة الأجل، معتمدًا على الاحتمالات الرياضية لتضخيم رأس المال تدريجيًّا؛
أما الآخر فيميل إلى المضاربة الجريئة، ويسعى لتحقيق نجاحٍ كبيرٍ دفعة واحدة، فيُضخّم الرافعة المالية خلال التقلبات الطويلة الأجل، معتمدًا على الموهبة والخبرة في تحقيق الأرباح.
ولكن بغض النظر عن حجم الفروق في فلسفتيهما الاستثماريتين، فقد أصبح كلاهما من الفائزين في السوق الصاعد الضخم الذي شهدته عشرينيات القرن العشرين، وحقّقا أرباحًا هائلة، ونالا مكانةً أسطوريةً منذ ذلك الحين.
٢
كانت كتب «غان» تزداد رواجًا باستمرار، بل وصل سعر دوراته التدريبية المباشرة إلى ٥٠٠٠ دولار أمريكي.
وكان هذا المبلغ البالغ ٥٠٠٠ دولار أمريكي في تلك الفترة يعادل اليوم حوالي ٥٠٠٠٠٠ يوان صيني، مما يدلّ بوضوح على مدى شعبيته الهائلة.
أما «ليفيرمور» فقد استعار أموالًا من آخرين، وقام بمحاولة ثالثة للنهوض من جديد، وارتفعت أصوله إلى عدة ملايين من الدولارات، ليصبح ضمن قائمة أغنى ٥٠٠ شخص في العالم.
وفي عام ١٩٢٣، أجرى كاتب مقابلة مع «ليفيرمور»، واعتمد على سيرته الذاتية المذهلة، التي تضم ثلاث عمليات انهيار وثلاث عمليات نهوض، لينشر كتابه الشهير جدًّا «ذكريات مُضارِب الأسهم العظيم».
وجعل هذا الكتاب من «ليفيرمور» و«غان» شخصيتين خالدتين في التاريخ.
وفي عام ١٩٢٩، دخلت السوق مرحلة الهوس، حيث تدفقت الأموال من كل حدبٍ وصوبٍ نحو وول ستريت، وبدأ الناس العاديون بإدخال رواتبهم ومستحقات تقاعدهم بالكامل في سوق الأسهم، حتى أن الباعة المتجولين وربات المنازل اللواتي يتسوّقن الخضار كنّ يتحدثن عن سوق الأسهم.
وأدرك «ليفيرمور» أن الأزمة تقترب أكثر فأكثر، ولأنه كان حساسًا للغاية تجاه الاتجاهات طويلة الأجل، قرر تغيير موقفه والمضاربة على الانخفاض.
وعمل على تفحص مختلف الصحف المالية بدقة، آملًا أن يجد في الأخبار إشاراتٍ تدلّ على تباطؤ النمو الاقتصادي أو فائض الإنتاج أو تغيّرات في السياسة النقدية، لدعم قراره.
وكان يؤمن بأن سوق الأسهم التي عاشت فترة ازدهارٍ استمرت عشر سنوات لا بدّ أن تنعكس اتجاهاتها، وأن كل ما يحتاج إليه هو تحديد الشرارة التي ستُشعل هذه الانعكاسية، فإذا حقّق رهانه الصحيح هذه المرة، فسيصبح أغنى شخصٍ في العالم.
وفي شهر سبتمبر ١٩٢٩، ظهرت أول إشارة.
فقد وقعت في المملكة المتحدة قضية احتيال مالي ضخمة، ولتثبيت السوق، كانت البنوك البريطانية تستعد لرفع أسعار الفائدة، ومن المرجح جدًّا أن تتبعها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
مع ارتفاع أسعار الفائدة المصرفية، من المؤكد أن الإنتاج الصناعي سيتباطأ، كما ستنخفض الأموال في سوق الأسهم، وقد تنفجر فقاعة السوق الاستثماري المحموم على الأرجح.
واستغل ليفيرمور هذه الفرصة وراهن بكل ما يملك على بيع الأصول بشكل قصير (Short Selling).
وبالفعل، شهدت سوق الأسهم الأمريكية خلال شهرَين فقط بعد ذلك أزمة مالية قرنية هائلة، وأفلس عدد لا يُحصى من المتداولين في غضون ليلة واحدة.
أما ليفيرمول فقد حقّق في هذه المعركة ربحًا قدره 100 مليون دولار أمريكي، ليصعد إلى صفوف أغنى الأثرياء في العالم.
كانت الأزمة المالية لعام 1929 أهم حدث في القرن العشرين، فهي لم تُغيّر هيكل الاقتصاد العالمي فحسب، بل أدّت أيضًا إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية، وانهيار الإمبراطورية البريطانية وتراجع أوروبا، كما أثارت اضطرابات سياسية في المناطق المتخلفة، التي انحرفت جميعها نحو اليسار، بل وغيرت مسار التاريخ المالي الحديث بأكمله.
ففي المستوى السياسي أولًا، بدأت الحكومات حول العالم في تعزيز رقابتها على الاقتصاد الحر، واتخاذ إجراءات عكسية للدورات الاقتصادية، مثل الاستثمار الضخم في مشاريع البنية التحتية، والمنافسة التجارية عبر التعريفات الجمركية، ودفع عجلة التحديث الصناعي.
وفي عام 1934، أُنشئت لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC)، والتي طالبت جميع الشركات المُدرجة بإصدار قوائم مالية شاملة وموثوقة، وشنّت حملة صارمة ضد الاحتيال في الأوراق المالية والتلاعب بالأسهم.
وفي نفس العام، أفلس "ملك المضاربة" ليفيرمول مرة أخرى خلال اضطرابات سوق الأسهم، ثم اختار بعد سنوات قليلة إنهاء حياته بإطلاق النار على نفسه في حالة من الإحباط والانهيار.
وجاء في وصيته: «لقد كانت حياتي فشلًا ذريعًا.»
وبالتالي، ومع تدهور سوق الأسهم، لم تعد منهجية جان التحليلية فعّالة، وتراجعت مبيعات كتبه تدريجيًّا.
وتوفي جان في عام 1955 عن عمر ناهز 78 عامًا، وترك إرثًا لا يتجاوز عشرات الآلاف من الدولارات، أي ما يعادل ثروة طبقة متوسطة أمريكية عادية.
وهكذا انتهت تلك الحقبة.
ومنذ ذلك الحين، خرج متداولو الاتجاهات الفنية من مركز الصدارة في عالم الاستثمار، ولم يظهر بعدها أي شخصٍ استثنائيٍ في هذا المجال.
أما في熊市 الكبرى لعام 1929، فقد تخلّى بعض المستثمرين الذين تكبّدوا خسائر فادحة عن مواقفهم السابقة، وغيّروا مسارهم تمامًا.
فقد تخلّوا عن الهوس التقليدي بالمدارس الفنية بأشكال الموجات البيانية، واتجهوا بدلًا من ذلك إلى دراسة القيمة الحقيقية للشركات المُدرجة، مُفتتحين بذلك طريق الاستثمار العلمي.
فإذا كانت النظريات الفنية لجان تشبه علم التنجيم في العصور المظلمة، فإن تكتيكات ليفيرمول الاستراتيجية تشبه جيوش الإمبراطورية المنغولية.
وبالتالي، ظهر واحدًا تلو الآخر في عالم الاستثمار كُبرى الشخصيات مثل كوبرنيكوس وداروين ونيوتن.
وكانت جميعهم من المُصابين بخسائر فادحة خلال الكساد الكبير.
الأول هو غراهام (1894–1976)، رجلٌ عانى طوال نصف عمره من المصاعب والشقاء.
وقال منغ تسي: «إذا أراد السماوات أن تُناطَ به شخصٌ ما مهمةٌ عظيمة، فإنها تُجرب قلبه وعقله أولًا، وتُجهده جسديًّا، وتُجوع جسده، وتُفقِّره ماديًّا، وتُربك خططه وأعماله، وذلك كي يُقوّي صبره ويُنمّي قدراته التي لم تكن موجودة من قبل.»
ويُمكن القول إن غراهام قد جسَّد هذه العبارة تجسيدًا كاملًا.
ففي سنِّ السنة الواحدة، انتقل والداه من أوروبا إلى الولايات المتحدة بحثًا عن عمل، ليُصبحا غريبين في بلادٍ أجنبية؛
وفي سن التاسعة، توفي والده، ففقدت العائلة مصدر دخلها، وزادت ضيق الحال؛
وفي سن الرابعة عشرة، فشلت والدته في استثماراتها في الأسهم، فصارت الأسرة فقيرةً جدًّا لدرجة أن المنزل أصبح خاليًا من أي ممتلكات تقريبًا؛
وفي سن الثالثة والعشرين، وبعد تخرجه مباشرةً، أدار لأول مرةٍ حساب أسهمٍ لعميلٍ ما، لكنه خسر كل أموال العميل، فتم تجميد الحساب؛
وفي سن الثلاثين، أنشأ لأول مرةٍ صندوق استثمار خاص، لكنه اضطر إلى حله بسبب خلافات مع الشركاء؛
وفي سن السادسة والثلاثين، تعرضت شركته الاستثمارية التي أنشأها مجددًا للإفلاس شبه الكامل خلال العاصفة المالية لعام 1929، فخسر مدخراته طوال حياته.
إلا أن المعاناة لم تُحطِّم غراهام، بل عمَّق تأمُّله الذاتي في أعقابها، وكتب في تلك السنوات المظلمة مؤلفاتٍ ثوريةً مثل «تحليل الأوراق المالية» و«المستثمر الذكي»، والتي رسَّخت مكانته كـ«نيوتن» لمدرسة الاستثمار القائمة على التحليل الأساسي.
وفي سنواته الأخيرة، قدَّم غراهام محاضراتٍ في جامعة كولومبيا، فكان له تلامذةٌ في شتى أنحاء العالم، وصارت تعاليمه كشعلةٍ تنير الطريق أمام عددٍ لا يُحصى من المستثمرين اللاحقين لفتح أبواب الاستثمار العلمي.
إذن، ما هي الأفكار الأساسية التي دعا إليها غراهام؟
نقطتان:
أولًا: التركيز على هامش الأمان.
وبسبب الأذى الشديد الذي لحق به جرّاء تقلبات سوق الأسهم، وضع إدارة المخاطر في مقدمة أولوياته الاستثمارية، وطالب بأن تكون الاستثمارات آمنةً تمامًا.
ولذلك طالب بأن تكون التقييمات منخفضةً بما يكفي، واكتفى بشراء أسهم «السجائر المستهلكة» (Cigar Butt Stocks)، أي تلك الأسهم التي لا يمكن أن تنخفض أكثر من ذلك.
ثانيًا، التركيز على التحليل المالي.
ويقوم هذا النهج بتحليل كمي لأصول وأرباح وإيرادات وخصوم أي شركة مُدرجة في البورصة، فضلاً عن العوائد المتوقعة لها في المستقبل، وذلك لاستخلاص قيمتها الجوهرية وتقييم جدوى الاستثمار فيها.
ويستند كل شيءٍ إلى البيانات، مع تجنّب التكهّنات والشائعات غير الرسمية أو اتخاذ القرارات الانفعالية.
ومن بين طلاب غراهام المشهورين في عالم الصناديق الاستثمارية: إيرفينغ كاهن (Irving Kahn)، ووالتر شلوس (Walter Schloss)، وسيث كلارمان (Seth Klarman).
أما الأكثر شهرةً بلا شك فهو وارن بافيت (Warren Buffett).
٣
يتشابه وارن بافيت في طفولته جدًّا مع غالبية الصينيين.
فقد وُلد في مدينة أوماها الصغيرة من الدرجة الثالثة في الداخل الأمريكي، وكان جده يمتلك متجر بقالة، أما والده فقد كان موظفًا في أحد البنوك، أي أنه نشأ في أسرة عادية جدًّا.
وهذا كان عام ١٩٣٠، أي في ذروة الكساد الكبير، حيث أُغلقت البنوك وفقد والده وظيفته.
ولمساعدة الأسرة في كسب المال، بدأ بافيت منذ سن السادسة بتوزيع العلكة ومشروبات الكولا في الشوارع، ثم بدأ في سن الثالثة عشرة ببيع الصحف.
وفي المرحلة الثانوية، اشترى بافيت عدة أجهزة ألعاب «بينبول» مستعملة ووضعها في صالونات الحلاقة، واتفق مع أصحاب هذه الصالونات على تقسيم الأرباح بنسبة ٥٠٪ لكل طرف.
وهذا النوع من الأعمال يشبه ما نراه اليوم من أجهزة الإمساك بالدمى في المولات أو أجهزة القمار في الكازينوهات، إذ يحقق ربحًا هائلًا مقابل استثمار ضئيل، لكنه يتميّز أيضًا بانخفاض عتبة الدخول التنافسية.
ولولا حدوث أمر غير متوقع، لكان بافيت قد سار في طريق تكوين ثروته كتاجر صغير.
إلا أن الأمر غير المتوقع وقع بالفعل؛ ففي المرحلة الثانوية، أصبح الشاب بافيت مهووسًا بالأسهم، واتخذ منها مهنةً مدى الحياة.
يأتي هذا الخيار نتيجة تفكير وارن بافيت:
ففي طفولته، كان يبيع العلكة والكولا في الشوارع، وهي تجارة تتطلب جهدًا بدنيًّا كبيرًا وأرباحها منخفضة للغاية، ما يجعل تحقيق أرباح كبيرة أمرًا صعبًا جدًّا؛
وبعد ذلك، انتقل إلى تجارة آلات البلياردو، والتي تبدو أسهل بكثير، وأرباحها أعلى، لكنها في جوهرها تجارة كثيفة رأس المال؛
وفي البداية، تكتشف فرصة تجارية، وتستفيد من الميزة الناتجة عن الفجوة في المعلومات، مما يسمح لك بكسب بعض الأموال؛
ولكن مع توافد المنافسين، ترتفع تكاليف الإيجار بشكل حاد، ويصبح التنافس مبنيًّا على من يمتلك رأس مال أكبر؛
ومن الواضح أن وارن بافيت لم يمتلك مثل هذه القوة المالية، ولذلك، وفي النهاية، ظل من الصعب عليه تحقيق أرباح كبيرة، واضطر إلى التخلي عنها دون مفر.
إذن، كيف يستطيع الشخص العادي، الذي لا يمتلك ميزة احتكارية ناتجة عن التكنولوجيا أو التراخيص، أن يحقق أرباحًا كبيرة؟
إن السبيل الوحيد لذلك هو الاعتماد على الفجوة في المعلومات.
وكانت تجارة آلات البلياردو في مراحلها الأولى كذلك، والعديد من الأعمال الأخرى مشابهة لها، حيث يتم الشراء بسعر منخفض والبيع بسعر مرتفع، والاستفادة من الفرص الربحية الناتجة عن الفجوة في المعلومات.
وبما أن جوهر كل هذه الأعمال هو الاستفادة من الفجوة في المعلومات، فلماذا لا نشتري الأسهم بدلًا من ذلك؟
حيث إن التكاليف الإضافية المطلوبة هي الأدنى، كما أن السيولة عالية جدًّا، وبمجرد أن تمتلك عقلًا تجاريًّا وتعرف كيفية استغلال الفرص، فإن السوق المالي يُعتبر نظريًّا أفضل منصة لذلك.
وبفضل إدراكه لهذه الحقيقة، بدأ بافيت تدريجيًّا في إهمال أعماله الصغيرة، ووجّه تركيز اهتمامه نحو سوق الأسهم.
وعلى غرار ٩٩.٩٪ من المستثمرين الأفراد، بدأ بافيت في سوق الأسهم أيضًا بدراسة الرسوم البيانية لموجات السوق، وممارسة سياسة "المتابعة الصاعدة والبيع عند الهبوط"، لكن أداؤه كان متوسطًا فقط.
غير أن ما يميّز بافيت عن غيره من المستثمرين الأفراد هو شغفه بالقراءة، إذ قرأ تقريبًا كل كتاب عن الأسهم متاح في المكتبة.
وكانت كتب الأسهم في تلك الفترة تهيمن عليها بشكل أساسي المدارس التقنية، وكتب ويليام ديلبرت جان، ومذكرات كبير متداولي الأسهم، وغيرها، وقد قرأ بافيت هذه الكتب واحدة تلو الأخرى حتى وصل إلى كتاب بنجامين غراهام "المستثمر الذكي".
وفي النهاية، شعر وكأن الكتاب قد لامس قلبه مباشرة، وانفتح أمامه فهمٌ واضحٌ وشامل.
عند التقدُّم لامتحانات الدراسات العليا، اختار جامعة كولومبيا، وانضم رسميًّا إلى مدرسة بنيامين غراهام.
إذن، ما الفرق الأكبر بينه وبين المستثمرين الأفراد الآخرين؟
أدرك وارن بافيت مبكرًا عيوب المدرسة التقنية في المضاربة، وسلك طريق المستثمر القائم على القيمة، وهو طريق علميٌّ.
وكانت تلك السنة هي عام 1950، وكان عمر بافيت آنذاك 20 عامًا.
وبعد التخرُّج، عمل بافيت لعدة سنوات كوسيط أسهم، كما استثمر بنفسه في الأسهم. وكانت مهامه اليومية تتمحور حول جمع المعلومات من «دليل ستاندرد آند بورز» و«دليل موديز»، ثم دراستها وتحليلها، وشراء الأسهم التي يرغب فيها والاحتفاظ بها.
وكان يتبع بدقة منهجية الاستثمار التي علَّمه إياها غراهام، حيث كان يشتري فقط أرخص الأسهم ذات هامش الأمان.
وكانت الأمور تسير على ما يرام.
وبمرور الوقت، تمكن بافيت، الذي كان لا يزال في بداية حياته المهنية، من امتلاك أصول تبلغ قيمتها عشرات الملايين من الدولارات، فبدأ بإنشاء صندوق استثمار خاص، ثم رفع قيمة الأصول التي يديرها إلى عدة ملايين من الدولارات.
كانت تلك حقبة جميلة.
وبالكاد بلغ عمر بافيت 30 عامًا، حتى أصبح مليونيرًا.
لكن سوق الأسهم ليس بالأمر السهل أبدًا، وبعض الرسوم الدراسية لا بد من دفعها.
وفي عام 1962، وبعد ارتفاع مستمر لسنوات عديدة، أصبحت أسعار العديد من الأسهم مرتفعة جدًّا، فلم يجد بافيت، وفق نظرية أستاذه، أي أوراق مالية جديرة بالشراء تقريبًا.
وبعد طول تفكير، راهن على شركة نسيج كانت على وشك الإفلاس: بيركشاير هاثاواي.
ووفق التحليل المالي، بلغ صافي الأصول المدون في دفاتر الشركة 22 مليون دولار أمريكي، لكن بسبب سوء الإدارة، كانت أسعار أسهمها منخفضة للغاية، لدرجة أن شراء الشركة بأكملها لم يتطلب سوى 14 مليون دولار أمريكي.
وباعتقاده أنه سيشتري السلعة بسعر مخفض، بدأ بافيت في شراء أسهم الشركة تدريجيًّا.
ولكنه لم يتوقع أن تصبح هذه الاستثمارات أكبر خسارة في مسيرة «الإله» في عالم الأسهم.
وتذكَّر أن إجمالي الأصول التي كان بافيت يديرها في ذلك الوقت لم يكن يتجاوز مستوى الملايين من الدولارات، وبالتالي فإن شراء شركة بيركشاير هاثاواي كان يعادل رهانه بكل ثروته الشخصية.
ولكن ألا يتجاوز الاستثمار مجرد إجراء حسابات بسيطة؟
إن السعر الحالي يبدو بالفعل منخفضًا، لكن ماذا عن المستقبل؟
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانطلاق عصر التجارة العالمية، تراجعت صناعة النسيج الأمريكية تدريجيًّا تحت ضغط عمالة شرق آسيا الرخيصة، وهكذا انخفض سهم شركة «بيركشير هاثاواي» (Berkshire Hathaway) باستمرار.
وواصل وارن بافيت شراء الأسهم كلما انخفض السعر أكثر فأكثر، حتى استحوذ على الشركة بالكامل، ليُحبَس في هذه الاستثمارات طوال حياته.
وفي عام ١٩٨٥، أغلقت «بيركشير هاثاواي» آخر مصنع نسيج تملكه، وبلغ مجموع العائدات من بيع جميع أصول المصنع ١٦٠.٠٠٠ دولار أمريكي فقط.
وهكذا أصبحت هذه الشركة التي لم تعد تمتلك أي أصول تشغيلية سوى اسمها فحسب، السفينة الأم لبافيت، لتُذكِّره دائمًا بالدروس المستفادة منها.
إذن، ما الخطأ الذي ارتكبه؟
— لم يُدرِك الاتجاه العام الكبير للعصر.
٤
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ازدهرت الدولة الأمريكية بشكل متزايد، وانطلقت الثورة التكنولوجية الثالثة.
وفي عام ١٩٤٦، اخترعت شركة «آي بي إم» (IBM) أول حاسوب إلكتروني يعمل بالأنابيب المفرغة، وهو «إينياك» (ENIAC)، لتدخل البشرية عصر الحواسيب؛ وفي نفس العام، أطلقت شركة «موتورولا» (Motorola) أول هاتف لاسلكي محمول للسيارات، لتدخل البشرية عصر الاتصالات اللاسلكية؛
وفي عام ١٩٥٠، أطلقت شركة «آر سي إيه» (RCA) أول جهاز تلفزيون ملون؛
وفي عام ١٩٥٤، أطلقت شركة «تيكساس إنسترومنتس» (Texas Instruments) أول ترانزستور سيليكون تجاري، لتدخل البشرية عصر أشباه الموصلات الجديد؛
وفي عام ١٩٥٦، أطلقت شركة «موتورولا» جهاز الـ«بيجر» (Paging Device)، لتجعل تقنيات الاتصالات اللاسلكية في متناول الجميع؛
وفي عام ١٩٥٨، طورت شركة «تيكساس إنسترومنتس» أول رقاقة متكاملة (IC) في العالم؛
وفي عام ١٩٥٩، أصدرت «بنك أمريكا» (Bank of America) أول بطاقة ائتمان في العالم، والتي تطورت لاحقًا إلى نظام الدفع الإلكتروني العالمي الشهير «فيزا» (VISA)؛
وفي عام ١٩٦٠، أطلقت شركة «ميدترونيك» (Medtronic) أول جهاز تنظيم ضربات القلب القابل للزراعة الموثوق به، لتفتح بذلك آفاقًا جديدة في تقنيات الأجهزة الطبية؛
في عام 1964، أطلقت شركة آي بي إم (IBM) الحاسوب الضخم الثوري «System360»، وهو أول حاسوب مزوّد ببرنامج نظام تشغيل؛
وفي عام 1967، اخترعت شركة تكساس إنسترومنتس (Texas Instruments) الآلة الحاسبة اليدوية، والتي بلغ سعرها وقتها 2500 دولار أمريكي للوحدة الواحدة؛
وفي نفس العام، أطلقت شركة بوينغ (Boeing) طائرة الـ737 الأولى، وهي الطائرة التجارية الأكثر مبيعًا في تاريخ الطيران، حيث وصل عدد طلبات الشراء حتى اليوم إلى 15 ألف طائرة؛
وخلال عقدَي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، شهدت قطاعات متعددة مثل الحوسبة والاتصالات والرعاية الصحية والنقل والخدمات المالية تحولات جذرية بفضل التقنيات الإلكترونية الناشئة، ما خلق أنماط حياةٍ تتغير باستمرار، وأسواقًا جديدةً تمامًا لم تُستكشف بعد.
وبشكل طبيعيٍّ، كان الموضوع الرئيسي للاستثمار في تلك الحقبة هو الأسهم ذات النمو المرتفع.
إلا أن الأسهم الممتازة ذات النمو المرتفع كانت دائمًا باهظة الثمن، ما جعل منطق استثمارها يتعارض تمامًا مع نظرية «هامش الأمان» التي كان يتبعها وارن بافت (Warren Buffett)، ومع مبدأ «شراء الأسهم الرخيصة فقط» الذي كان يلتزمه.
وبالتالي، فات وارن بافت الشاب فرصة الاستثمار في تلك الحقبة.
أما «الإله» أو «النجم» الأسطوري في أسواق الأسهم خلال تلك الحقبة فهو فيشر (Fisher) (1907–2004)، الحكيم الذي عاش 98 عامًا.
وتخرّج فيشر من كلية إدارة الأعمال بجامعة ستانفورد (Stanford University)، وكان يعمل محللًا للأوراق المالية في بدايات حياته المهنية، وقد واجه بالفعل فترة الكساد الكبير مباشرةً بعد تخرجه، ما ترك لديه انطباعًا عميقًا عن مخاطر السوق المالي.
إلا أنه لم يُرهب من هذه التجربة، بل زادت شغفه بدراسة الأسهم التكنولوجية ذات النمو المرتفع، وواصل تطوير مهاراته باستمرار.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وازدهار الاقتصاد الأمريكي، أنشأ فيشر شركته الاستثمارية الخاصة، وقام بشراء كميات كبيرة من الأسهم الرائدة ذات النمو المرتفع.
وكان أكثر استثمارات فيشر نجاحًا في سهمَيْ تكساس إنسترومنتس (Texas Instruments) وموتورولا (Motorola).
وكما سبق الذكر، فقد أطلقت شركة تكساس إنسترومنتس في عام 1954 أول ترانزستور سيليكون تجاري، ما دخل البشرية عصر أشباه الموصلات الجديد؛
وفي العام التالي، أي عام 1955، اشترى فيشر سهم تكساس إنسترومنتس بكميات كبيرة جدًا؛
وبعد ثلاث سنوات، في عام 1958، طوّرت شركة تكساس إنسترومنتس أول رقاقة دمج متكامل (Integrated Circuit Chip) في العالم، فارتفعت أسهم الشركة بشكل مستمر؛
وبحلول قمة السوق الصاعد في عام 1962، ارتفعت أسهم شركة تكساس إنسترومنتس بنسبة 14 ضعفًا!
ومع ذلك، وبعد دخول السوق في مرحلة هبوطية (سوق الد bears)، انخفض سعر سهم شركة تكساس إنسترومنتس بنسبة ٨٠٪، لكن فيشر لم يُجرِ أي عملية بيع، بل اختار الالتزام بالاستثمار والانتظار؛
وفي عام ١٩٦٧، ابتكرت شركة تكساس إنسترومنتس الآلة الحاسبة المحمولة، وسجل سعر سهمها ارتفاعًا قياسيًّا جديدًا خلال السنوات التالية، ما حقَّق لفيشر عائدًا بلغ ٣٠ ضعفًا.
كما حقَّق فيشر عائدًا بلغ ٢٠ ضعفًا من استثماره في شركة موتورولا، وهي شركة رائدة أخرى في قطاع التكنولوجيا.
وبالتالي، يمكن القول إن شركة تكساس إنسترومنتس وشركة موتورولا في تلك الحقبة كانتا تعادلان شركتي إنفيديا (NVIDIA) وأبل (Apple) اليوم.
إن أسهم الشركات الناشئة دائمًا ما تكون باهظة الثمن، وتتفاوت أسعارها بشكل كبير جدًّا، كأنها رحلة على قطار الجاذبية (القطار المجنون)، ومع ذلك، فطالما تمكَّنت من تحديد الإيقاع الرئيسي لتلك الحقبة بدقة، واخترت الاستثمار في القطاعات أو المجالات التي تشهد طفرة نمو، فإن العوائد قد تكون مذهلة بنفس القدر.
وبخصوص الاستثمار في أسهم الشركات الناشئة، وضع فيشر مبدئين أساسيين:
أولًا: شراء السهم يعني شراء الشركة نفسها. فالشركات الممتازة لا تمثِّل سوى حوالي ٥٪ فقط من إجمالي الشركات العاملة في أي سوق، ولذلك يجب أن تشتري أفضل الشركات دون استثناء.
وتتميَّز الشركات الممتازة بثلاث خصائص رئيسية:
أ. تركِّز على البحث والتطوير والابتكار التسويقي، ولديها حواجز تنافسية قوية؛
ب. تمتلك إدارةً ممتازةً قادرةً على مساعدة الشركة في الحفاظ على ميزتها التنافسية على المدى الطويل ضمن سياق المنافسة الصناعية، وهذه النقطة بالغة الأهمية، إذ لا يمكن لأي شركة أن تحقق مستويات جديدة قياسية بعد انتهاء دورة السوق الهبوطي إلا إذا توفرت لديها إدارة ممتازة كهذه؛
ج. تتمتع بهوامش ربح مرتفعة، لكنها توزِّع أرباحًا نقدية (أسهم توزيعات أرباح) منخفضة جدًّا أو لا توزِّعها إطلاقًا.
فالشركات الناشئة عادةً ما تستثمر الجزء الأكبر من أرباحها في التوسع في مجالات أعمال جديدة. أما إذا كانت توزِّع نسبة كبيرة من أرباحها، فغالبًا ما يكون ذلك بسبب صعوبة التوسع في عملياتها التجارية، وبالتالي تضطر إلى توزيع الجزء الأكبر من أرباحها على المساهمين.
ثانيًا: الاحتفاظ بالسهم لمدة ثلاث سنوات على الأقل، مع اعتماد سياسة الاستثمار طويل الأجل.
وعندما تتعرض شركة ممتازة لضربة خاطئة من جانب السوق، ويصبح سعر سهمها منخفضًا عن قيمته الحقيقية، فهذه بلا شك فرصة نادرة لا تتكرر كثيرًا، ولا ينبغي تفويتها، بل يجب شراء كمية كبيرة من أسهمها والتمسك بها بثبات.
إلا أنه في معظم الأحيان، لا تكون أسعار أسهم الشركات الناشئة الممتازة رخيصة أصلًا، وبالتالي يكفي شراؤها بسعر معقول يعكس قيمتها السوقية الفعلية، دون الحاجة إلى التركيز المبالغ فيه على المكاسب أو الخسائر قصيرة الأجل.
وفي كثير من الأحيان، تشهد الأسواق المالية تقلبات حادة جدًّا، وقد تجد نفسك مُلزمًا بالاحتفاظ بالسهم منذ اللحظة الأولى التي تشترى فيها، فماذا تفعل في هذه الحالة؟
طالما تظل هذه الشركة ممتازة وآفاقها واعدة، فعليك التمسُّك بمبدأ الاحتفاظ بالأسهم لمدة ثلاث سنوات، وتواصل تناول طعامك كالمعتاد، ونم جيدًا كالمعتاد، فالوقت سيكشف عن كل شيء.
وإذا اكتشفت أن حكمك الأولي كان خاطئًا، فاعترف بذلك بصراحة وغادر الفرصة فورًا، وانتقل إلى شركة أخرى تبدو آفاقها أكثر إشراقًا.
إن سبب البيع يرتبط حصريًّا بآفاق نمو الشركة، ولا علاقة له إطلاقًا بارتفاع أو انخفاض سعر سهمك.
إن امتلاك عقلية استثمارية سليمة أمرٌ في غاية الأهمية؛ فلا تسمح أبدًا لاهتزازات السوق والتقلبات اليومية بأن تشغلك، فهي مجرد ضجيج لا قيمة له في طريق الاستثمار الناجح.
٥
وبدخول العقد السابع من القرن العشرين، ظلَّ وارن بافيت يعاني من مشكلة الأسهم الرخيصة ذات الجودة المنخفضة التي اشتراها.
فقد واجهت الولايات المتحدة تحديات من الاتحاد السوفيتي في مجالات الفضاء والعسكرية، كما طغى صعود اليابان وألمانيا اقتصاديًّا عليها، بينما ارتفعت معدلات التضخم محليًّا، وانخفضت قيمة الدولار، لتواجه البلاد أزمات متعددة.
أما على مستوى سوق الأسهم، فقد انعكس ذلك في ركود استمر عشر سنوات، وكأن الشتاء الطويل قد حلَّ.
ويُقال إن "الزمن يصنع الأبطال"، وفي هذا السياق التاريخي الجديد، ظهرت شخصيات جديدة بارزة.
وهذا العقد يخصُّ كلًّا من جون تمبلتون (1912–2008، وتوفّي في سن 97 عامًا) وشيرمان ديفيس (1906–1994، وتوفّي في سن 89 عامًا)، وهما شخصيتان حكيمتان عاشتا عمراً طويلاً.
وجملة تمبلتون الشهيرة هي: «تنشأ الأسواق في أوقات اليأس، وتتطور في أوقات الشك، وتبلغ نضجها في أوقات التفاؤل، وتنتهي في أوقات الحماس. وإن أكثر اللحظات كآبةً هي أفضل وقت للشراء، وأكثر اللحظات تفاؤلاً هي أفضل وقت للبيع.»
وهذا هو قانون تمبلتون للاستثمار عكسياً.
كما أن لديڤيس جملة شهيرة أيضًا: «اشترِ أسهمًا واعدة عند انخفاض مضاعف السعر إلى الأرباح (P/E) في أوقات السوق الهابطة، وبما أن مضاعف السعر إلى الأرباح يرتفع مع نمو الأرباح، فإن سعر السهم سيرتفع بشكل مضاعف، والعكس صحيح أيضًا حيث قد ينخفض السعر بشكل مضاعف.»
وهذا ما يُعرف باسم "ظاهرة ديفيس المزدوجة" و"الضربة المزدوجة السلبية" (وهي قاعدة استثمارية تعتمد على الفائدة المركبة).
وفي الواقع، سواءً كان الاستثمار عكسياً أو استثماراً بالفائدة المركبة، فإن الجوهر في كلا الحالتين هو التأكيد على شراء الأصول بأسعار منخفضة وبيعها بأسعار مرتفعة، أي اتباع مبادئ الاستثمار القائم على القيمة.
والحقيقة أن الكثيرين يدركون هذه المبادئ جيدًا.
ما يُميِّزهم حقًّا هو اتّساع آفاقهم الاستثمارية الدولية، التي لم تكن متوفرة لأحدٍ في ذلك العصر.
ففي شبابه، درس دنتمبلتون في المملكة المتحدة، وسافر على نطاق واسع في أوروبا، ما جعله على درايةٍ عميقة بالتاريخ والثقافة والهيكل الاقتصادي الأوروبي؛
كما درس ديفيس في سويسرا، وقابل زوجته المستقبلية أثناء رحلته بالقطار عبر فرنسا.
وفي عام 1968، اتّخذ دنتمبلتون قرارًا غير مألوفٍ للغاية: التخلي عن الجنسية الأمريكية والانتقال للعيش في جزيرة باهاما الصغيرة الواقعة في البحر الكاريبي، حيث عاش هناك لمدة 40 عامًا حتى وفاته.
وكان يرى أنَّ العديد من المستثمرين يفشلون في استثماراتهم بسبب التشويش والرغبات التي يصعب السيطرة عليها. وبعيدًا عن المراكز المالية، يكون المرء بعيدًا عن هذا التشويش والرغبات، ما يسمح له بالاستثمار بعقلٍ أكثر هدوءًا واتزانًا.
وبعيدًا عن الولايات المتحدة، يستطيع أيضًا تقييم الاقتصاد العالمي بشكلٍ أوسع وأكثر حيادية:
فهو اكتشف فرص الاستثمار الممتازة في اقتصادات مثل ألمانيا واليابان خلال عملية إعادة الإعمار بعد الحرب، وظلّ يستثمر في سوق الأسهم الياباني حتى منتصف ثمانينيات القرن العشرين؛
كما استغل أزمة صناعة السيارات الأمريكية الناجمة عن المنافسة اليابانية، واشترى أسهم شركة فورد بكميات كبيرة عام 1978 عندما كانت الشركة على حافة الإفلاس؛
وهكذا، وبفضل مرونته في التنقّل بين الفرص المختلفة، بلغت مسيرة دنتمبلتون الاستثمارية ذروتها: فقد بلغ متوسط العائد السنوي لصناديق الاستثمار التي أدارها 18.3%، وهو ما يفوق بكثير مؤشر سوق الأسهم الأمريكي في تلك الفترة.
ولديفيس أيضًا تجارب مشابهة.
ففي المرحلة الأولى بعد انتهاء الحرب، ركّز ديفيس على شراء أسهم شركات التأمين، والتي كانت حينها، على عكس أسهم البنوك ذات التاريخ الطويل، في طور النمو والازدهار.
فقد كانت الحكومة الأمريكية تُقدّم دعمًا واسع النطاق لتأمين المواطنين، كما كان الجنود العائدون من الخدمة العسكرية يتزوجون وأنجبوا أطفالًا، ما أدى إلى ظهور أنواع جديدة من التأمين مثل التأمين على الحياة والتأمين على المنازل والتأمين على السيارات.
إنَّ "فوائد السكان" + ارتفاع معدلات الاختراق + الابتكار في الخدمات قد جعل نمو أسهم شركات التأمين لا يقلّ عن نمو أسهم الشركات التكنولوجية الأخرى.
وقد بدأ ديفيس مسيرته في سوق الأوراق المالية باقتراض 50 ألف دولار أمريكي من والد زوجته، ثم حقّق تراكمه الأولي خلال فترة ازدهار السوق في خمسينيات وستينيات القرن العشرين؛
وعندما ازدادت فقاعات سوق الأسهم الأمريكية في ستينيات القرن العشرين، انتقل بسرعة إلى اليابان واشترى أسهم شركات التأمين الناشئة في سوق الأسهم الياباني، ليكرّر بذلك النجاح الذي حقّقه سابقًا في السوق الأمريكي.
فالنمو الثابت في الأداء المالي + ارتفاع مضاعف الأرباح (P/E) + تتابع فترات الازدهار في أسواق عدة دول + استخدام الرافعة المالية، كلّ ذلك حوّل المبلغ الأولي البالغ 50 ألف دولار أمريكي إلى ثروة ضخمة قدرها 900 مليون دولار أمريكي بعد مرور 40 عامًا.
٦
كانت السنوات ١٩٧٧–١٩٧٨ نقطة تحولٍ جوهرية في التاريخ الأمريكي.
في عام ١٩٧٧، أطلق جورج لوكاس فيلم الخيال العلمي الشهير «حرب النجوم» الذي أحدث ضجةً عالميةً، ودفع صناعة السينما نحو حقبة الأفلام ذات المؤثرات الخاصة المذهلة.
وفي نفس العام، أطلقت شركة Apple جهاز Apple II، وهو أول حاسوب شخصي في تاريخ البشرية.
وفي العام التالي، أطلقت شركة IBM منافسًا مباشرًا لها في سوق الحواسيب الشخصية، مستخدمةً معالج Intel 8088 وبرنامج Microsoft BASIC، وبذلك بدأت الحقبة الثانية للصناعة العالمية للحواسيب.
وبفضل قوة الابتكار التكنولوجي هذه، استعادت الولايات المتحدة زخمها في مسار النهوض، وانقلبت موازين المنافسة مع الاتحاد السوفيتي لصالحها، وأصبح الاستثمار في الأسهم النامية مرةً أخرى الموضوع الرئيسي في تلك الحقبة.
وفي عام ١٩٧٨، اجتمع وارن بافيت البالغ من العمر ٤٩ عامًا وتشارلي مونجر البالغ من العمر ٥٥ عامًا، ليشكّلا نقطة تحولٍ جوهرية في مسيرتهما المهنية مدى الحياة.
قد لا تدرك أن هذين العبقريين اللذين يُنظر إليهما اليوم على أنهما أفضل شريكَي استثمارٍ في تاريخ الاستثمار، كانا في الواقع شخصيتين متضادتين تمامًا من حيث الطباع.
ففي سن المراهقة، كانت درجات بافيت في الدراسة متوسطةً إلى فوق المتوسط، ولذلك رُفض طلبه للالتحاق بجامعة هارفارد، التي كانت خياره الأول، أما مونجر فقد كان بالفعل طالبًا متفوقًا، وتخرّج من كلية الحقوق في جامعة هارفارد.
كما أن بافيت شخصٌ انطوائيٌّ لا يحب التواصل الاجتماعي، ولذلك عاد بعد عدة سنوات من العمل إلى موطنه أوماها لممارسة التداول الشخصي، بينما ظل مونجر يعيش في مدينة لوس أنجلوس الكبرى، ويحاول باستمرار تنويع نشاطاته.
أما بالنسبة لبافيت، فكانت الأسهم هي محور اهتمامه الوحيد، وكان يتمسك بمنهجية «غرهام» التعليمية في الاستثمار كأنها «فن داخلي» يتقنه فقط.
أما مونجر فكان شخصًا فضوليًا للغاية، يقرأ على نطاق واسع ويدرس مختلف المجالات، فبالإضافة إلى الأسهم، كان يعمل أيضًا في مجال العقارات والاستثمارات الخاصة، ويمتد اهتمامه إلى مجالات متنوعة جدًا.
لكن في سبعينيات القرن الماضي، لم تكن الأمور تسير على ما يرام بالنسبة لبافيت، كما لم تكن حال مونجر أفضل بكثير.
فقد علق بافيت في فخ أسهم «السيجار المستهلك» منخفضة السعر، ولم يستطع الخروج منه، وكان مصدر قلقه هو لماذا تؤدي نماذج هامش الأمان الظاهريّة «العلمية» إلى فخاخ قيمة خطيرة كهذه.
أما مشكلة مونجر فكانت تكمن في قوله: «أنا أفهم المبادئ جميعها، لكنني لا أستطيع مقاومة الاندفاع.»
والنتيجة هي أن مونجر تكبّد خسائر ضخمة متتالية خلال العامين السابقين لانضمامه كشريكٍ لبافيت، ما جعله يشعر بالإحباط الشديد، بل وصل به الأمر إلى تصفية شركته الاستثمارية تمامًا.
لا يوجد في هذا العالم أشخاصٌ مثاليون أصلًا.
يتميَّز مانغر بالقدرة على التخطيط لا بالقدرة على اتخاذ القرار؛ لذا كان مناسبًا في العصور القديمة أن يكون مستشارًا عسكريًّا، ومناسبًا في العصر الحديث أن يكون محلِّلًا.
أما بوفيت فيتميَّز بالقدرة على اتخاذ القرار لا بالتخطيط؛ لذا كان مناسبًا في العصور القديمة أن يكون جنرالًا، ومناسبًا في العصر الحديث أن يكون متداولًا.
وعندما يلتقي المتداول بوفيت بالمحلِّل مانغر،
يسأل بوفيت:
"أنا ألتزم طوال حياتي بمبدأ الهامش الآمن، ومع ذلك فإن الأسهم ذات التقييم المنخفض التي تبدو آمنة تحتوي أحيانًا على فخاخ قيمة كبيرة جدًّا. فكيف يمكنني تجاوز هذه المشكلة يا سيد؟"
فيردُّ مانغر قائلًا:
"لدي هنا ثلاث نصائح ذهبية:
الأولى: بدلًا من إنفاق الوقت والجهد في شراء شركات رديئة وبأسعار زهيدة، من الأفضل الاستثمار في شركات جيدة بأسعار معقولة.
الثانية: إذا كانت الشركة تتمتع بنموٍّ كافٍ، فإن شراء أسهمها حتى لو كانت الأسعار مرتفعة بعض الشيء سيكون استثمارًا جديرًا بالنظر.
الثالثة: عند الاستثمار في الأسهم، لا يتعلق الأمر فقط بفرصة الصناعة والمنتجات ونموذج العمل الخاص بالشركة، بل الأهم هو ما إذا كان فريق الإدارة يتكون من أشخاص طموحين ويتمتعون بكفاءة إدارية عالية. فإذا كان الجواب نعم، فإن السعر قد يرتفع بنسبة ٢–٣ أضعاف عن القيمة السوقية، ومع ذلك سيظل السعر منخفضًا نسبيًّا."
وبسماع بوفيت لهذه الكلمات، أدرك الفكرة بوضوح تام، ثم قال لاحقًا لأصدقائه:
"إنه وسَّع نطاق رؤيتي باستخدام قوة الفكر، مما سمح لي بالتطور من القرد إلى الإنسان بوتيرة غير عادية. ولولا ذلك لكنت أفقر بكثير مما أنا عليه اليوم."
وبالتالي، يمكن القول إن منهجية بوفيت الاستثمارية تطورت بشكل كبير منذ أن بدأ التعاون مع مانغر.
فلم يعد يركِّز على أسهم الشركات الرخيصة ذات الأداء الضعيف (التي تشبه "أعقاب السجائر")، بل يختار الشركات الممتازة ذات النمو المستقر، ويشتريها بأسعار معقولة.
وهذا يعادل دمج منهج غراهام مع منهج فيشر، بحيث يتكاملان ويحقِّقان أفضل النتائج الممكنة.
ولا يوجد في العالم منافسٌ له.
أوه، لا! لا يزال هناك منافسون~~~
في ثمانينيات القرن العشرين، ظهر في عالم الاستثمار عبقريٌّ جديد، وهو بيتر لينش، المُعَدّ الجيل الثاني من أساتذة الأسهم النامية.
وُلد بيتر لينش عام 1944، أي في العام الذي سبق انتهاء الحرب العالمية الثانية مباشرةً، حيث كانت قوات الحلفاء قد أطلقت عملية الإنزال في نورماندي وحقَّقت تفوّقًا حاسمًا.
من حيث الخبرة والسن، كان بيتر لينش مجرد جيلٍ أصغر سنًّا؛
أما من حيث خبرته الاستثمارية، فكان يتمتّع بمزايا لا تُضاهى مقارنةً بأسلافه.
أولًا، لم يمرّ بيتر لينش بأزمات كبرى مخيفة مثل الكساد الكبير أو الاضطرابات الحربية، بل نشأ في فترة الازدهار الاقتصادي التي تلت الحرب، وبالتالي كانت نظرته أكثر راحةً وتفاؤلًا، وأكثر جرأةً في المغامرة؛
ثانيًا، انضمّ مباشرةً بعد تخرجه إلى شركة "فيدليتي" (Fidelity) الشهيرة آنذاك، وبدأ عمله كمتدرب، وتلقّى تدريبًا نظريًّا متخصصًا، كما أنّه عمل على منصة ضخمة، ما منحه نقطة انطلاق مرتفعة ووفر عليه العديد من الأخطاء والانحرافات؛
وأخيرًا، كان محظوظًا بما يكفي، فقد تولّى إدارة صندوق "فيدليتي ماجلان" (Fidelity Magellan) عام 1977، ثم شهدت الثمانينيات طفرةً هائلة في الأسهم النامية، فوسّع لينش محفظته الاستثمارية على نطاق واسع، وتقاعد في ذروة نجاحه.
وتشير الإحصائيات إلى أن العائد السنوي المركب للصندوق خلال فترة إدارته له لمدة 13 عامًا (من 1977 إلى 1990) بلغ 29%، وهو أعلى متوسط عائد بين جميع أساتذة الاستثمار، حتى إنه تفوّق على أداء وارن بافيت.
كما نما حجم أصول هذا الصندوق الذي أداره لينش من 20 مليون دولار أمريكي في بدايته إلى 14 مليار دولار أمريكي لاحقًا، وتجاوز عدد حاملي وحدات الصندوق المليون شخص، ليصبح بذلك أكبر صندوق لإدارة الأصول في العالم آنذاك.
أما من حيث أسلوب الاستثمار، فتتمحور فلسفته حول مبدئين رئيسيين:
الأول: التركيز على الشركات الصغيرة ذات الأساسيات القوية والتي يتجاهلها السوق.
وهذا يختلف اختلافًا كبيرًا عن فيشر، الذي كان يفضّل شراء أسهم التكنولوجيا الرائدة، بينما كان لينش يميل إلى شراء أسهم قطاع الاستهلاك غير الرائدة.
وفي مسيرة بيتر لينش الاستثمارية، اشترى أكثر من 10 آلاف سهم، ومعظمها شركات صغيرة تعمل في مجالات متخصصة، مثل تويز آر أس (Toys "R" Us)، وذي بودي شوب (The Body Shop)، وفندق لا كوينتا (La Quinta).
أما أبرز حالة دراسية معروفة فهي وولمارت (Walmart)، لكن هذه الشركة لم تكن سوى شركة متوسطة الحجم وقت شرائها من قِبل بيتر لينش، إذ كانت قد أطلقت أول طرح عام لها منذ سنوات قليلة فقط.
فقد أطلقت وولمارت أول طرح عام لها عام 1972، وفي غضون 25 عامًا لاحقًا، ارتفعت قيمتها السوقية 5000 ضعف، لتتحول من سلسلة متاجر رخيصة غير بارزة في مدينة أمريكية صغيرة وسط البلاد إلى أكبر سلسلة متاجر في العالم، وتتصدر قائمة فورتشن 500 العالمية.
في ثمانينيات القرن العشرين، وهي فترة الذروة في التوسع الخارجي للشركة، قامت والمارت بدمج تقنيات الحاسوب في سلسلة التوريد الخاصة بها، ما جعل نموها لا يُضاهى.
وفي هذه المرحلة، ارتفعت إيرادات شركة والمارت من 1.655 مليار دولار أمريكي في عام 1981 إلى 32.6 مليار دولار أمريكي في عام 1991، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 34.72%، كما زاد صافي الربح 22 ضعفًا، وارتفعت أسعار الأسهم 61 ضعفًا.
ثانيًا، التنويع في الاستثمار، أي ألا تضع جميع البيض في سلة واحدة، والاحتفاظ بالاستثمارات على المدى الطويل.
وهذا يتناقض تمامًا مع فلسفة فيشر، الذي كان يفضّل التركيز على حيازة عدد محدود من الأسهم، بينما كان لينش يميل إلى توزيع استثماراته على عدد كبير من الأسهم.
وهناك سببان لذلك.
أولًا، لأن حجم صندوق لينش كان كبيرًا جدًّا، خاصة في مراحله المتقدمة، وكان يستثمر غالبًا في أسهم الشركات الصغيرة، مما اضطره إلى التوزيع.
وثانيًا، كان لينش يرى أن التركيز على عدد قليل من الأسهم يجعل المستثمر عرضةً لتقلبات الأسعار الكبيرة، ما يُربك حالته النفسية ويحوّله إلى مُضارب قصير الأجل.
على أي حال، كان لينش شخصًا ذكيًّا بما يكفي، ومجتهدًا بما يكفي، ومحظوظًا بما يكفي.
وهنا مثالٌ مثيرٌ للاهتمام.
في عام 1989، اشترى وارن بافيت سهمًا في شركة طيران، وبعد الشراء واجه سلسلة من المصائب: أولًا ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد بسبب حرب الخليج، ثم وقوع سلسلة من الحوادث الجوية الكبرى على مدى عدة سنوات متتالية.
والنتيجة كانت أن الشركة سجّلت خسائر متتالية، ووصلت إلى حافة الإفلاس.
وهذه كانت أسوأ صفقة استثمارية في النصف الثاني من حياة بافيت، ما جعله يمتنع عن الاستثمار في أسهم شركات الطيران لمدة 20 عامًا قادمة، بل ووصفها غاضبًا بـ"مُدمِّرة القيمة".
أما لينش فكان الأمر مختلفًا؛ إذ كانت أول استثمار له في حياته هو سهم شركة طيران.
فعندما كان لينش في بداية دراسته الجامعية، استخدم أكثر من ألف دولار أمريكي من منحته الدراسية لشراء أسهم شركة Flying Tiger Line (خطوط فلاينغ تايغر الجوية)، حيث بلغ سعر الشراء وقتها 7 دولارات أمريكي، ثم باعها لاحقًا عند سعر 32 دولارًا أمريكيًّا، أي بارتفاع نسبته 450%.
هذه هي القدر يا سادة.
7
الاستثمار سباقٌ طويل.
في عام 1990، اعتزل الشاب العباقرة بيتر لينش الحياة المهنية، وبدأ بعد ذلك عصر وارن بافت.
وارن بافت وتشارلي مونجر، يُرجى البدء في لحظة إثبات المعجزات الخاصة بكم.
وبحسب إحصائيات مجلة فوربس، ظل وارن بافت ضمن قائمة أغنى ثلاثة أشخاص في العالم على مدى العقدين الماضيين، ويبلغ صافي ثروته الشخصية حاليًا أكثر من 80 مليار دولار أمريكي.
ويتكوّن أكثر من 95% من هذه الثروة من الأرباح التي حققها بعد عام 1990.
فلماذا كانت إنجازات وارن بافت مذهلة جدًا خلال العقود الثلاثة الماضية؟
دعونا ننظر إلى الجدول التالي:
هذه قائمة بأكبر 15 استثمارًا في محفظة شركة بيركشير هاثاواي، كما وردت في «رسالة المساهمين» الصادرة عام 2018.

بيركشير هاثاواي هي الشركة الاستثمارية الرائدة لوارن بافت، والتي تحوّلت من مصنع نسيج متعثّر إلى شركة تبلغ قيمتها السوقية 500 مليار دولار أمريكي، لتكون بذلك خامس أكبر شركة في سوق الأسهم الأمريكية، بعد مايكروسوفت وأمازون وأبل وجوجل.
ويبلغ عدد الموظفين في مقر الشركة حوالي عشرين شخصًا، ومعظمهم من النساء اللواتي يتولّين المهام الإدارية والمالية والقانونية، بالإضافة إلى 4–5 مستثمرين محترفين.
أما الصورة التالية فهي صورة عائلية جماعية لحفلة عيد الميلاد التي أقامتها الشركة عام 2014.

أما وارن بافت، كقائدٍ لاتخاذ القرارات، فيصدر تعليماته المتعلقة بالصفقات عادةً من داخل هذه الغرفة الصغيرة.

وعلى مدى الستين عامًا الماضية، عاش وارن بافت باستمرار في هذا المنزل.
هذه مدينة صغيرة من الدرجة الثالثة تقع في الداخل الأمريكي، وعدد سكانها قليل، والهواء نقي، ويمكن رؤية النجوم كل ليلة دون أن تعيق الرؤية أي عوامل مثل الضباب الدخاني أو ضوضاء الطرق أو الأضواء المبهرة للحياة الليلية.
نادرًا ما تزور وسائل الإعلام هذه المدينة لإجراء مقابلات، ولا يلزم التنقّل بين مختلف الفعاليات الاجتماعية والمهنية.
القلب هادئٌ بما فيه الكفاية.
وهذا ما يحافظ على عقلانية قراراته بشكل كافٍ.
ويتصل به شريكه مانغر أحيانًا من لوس أنجلوس التي تبعد ٢٥٠٠ كيلومتر، ليُبلغَه بحماسٍ، كمحلِّلٍ ذي رؤية واسعة، عن أحدث الشركات الواعدة التي اكتشفها مؤخرًا للاستثمار فيها.
أما بافيت فيظل دائمًا حذرًا جدًّا، ويكتفي بالمراقبة دون التسرّع في اتخاذ الإجراءات.
ويقول: «إن تحديد الاتجاه الصحيح أهم بمئة مرة من العمل الجاد.»
فلننظر إلى أكبر ١٥ شركة يمتلكها حاليًّا —
بنك ويلز فارغو، آبل، بنك أمريكا، كوكاكولا، أمريكان إكسبريس، فيليبس ٦٦، بنك يونيون، موديز، الخطوط الجوية الجنوبية الغربية، دلتا إيرلاينز، غولدمان ساكس، بنك نيويورك ميلون، تلفزيون تشارتر، بي واي دي، جنرال موتورز.
سبع شركات مالية (من بينها أربع بنوك)، وهي: بنك ويلز فارغو، بنك أمريكا، أمريكان إكسبريس، بنك يونيون، موديز، غولدمان ساكس، وبنك نيويورك ميلون.
والسبب الرئيسي لشراء هذا العدد الكبير من الأسهم المالية والمصرفية هو أن الأسهم المالية تتمتع برأس مال كبير وأرباح مستقرة، وتلعب دور «الحجر الثقيل» الذي يوازن محفظة الاستثمار لدى شركة استثمار كبيرة مثل بيركشير هاثاواي.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن شركة آبل تعمل في مجال التكنولوجيا، وكوكاكولا في قطاع السلع الاستهلاكية، وفيليبس ٦٦ في قطاع الطاقة، والخطوط الجوية الجنوبية الغربية ودلتا إيرلاينز في قطاع النقل والمواصلات، وتلفزيون تشارتر في قطاع الإعلام، وبي واي دي في قطاع السيارات الجديدة ذات الطاقة النظيفة، وجنرال موتورز في قطاع التصنيع التقليدي.
وهذا التنوّع الشامل يعكس مبدأ «عدم وضع جميع البيض في سلة واحدة.»
وعلاوةً على ذلك، فقد ظهرت في قائمة الأسهم الرئيسية أيضًا أسهم شركات الطيران التي كان يكرهها بشدة في السابق، وكذلك أسهم شركات التكنولوجيا التي كان قد أقسم سابقًا بعدم التعامل معها إطلاقًا.
وسنتناول بالتفصيل الخمسة أسهم التي حققت أعلى العوائد —
موديز: ١٣٦٨٪؛
كока-كولا، 1312%؛
أمريكان إكسبريس، 1069%؛
بايدو، 745%؛
غولدمان ساكس، 343%.
تم الاحتفاظ بهذه الأسهم لفترة كافية طويلة، غالبًا لأكثر من عقدٍ من الزمن.
أما أطول الأسهم احتفاظًا بها، والتي بلغت مدة امتلاكها 30 عامًا، فهي أسهم شركة «أمريكان إكسبريس» وشركة «كوكا-كولا».
دعونا نبدأ بشركة «أمريكان إكسبريس».
هذه شركة عمرها قرنٌ من الزمان، بدأت في البداية بتقديم خدمات التوصيل السريع، ثم تحولت في مرحلة لاحقة إلى إصدار الشيكات السياحية، وفي المرحلة الأخيرة انتقلت إلى مجال بطاقات الائتمان الاستهلاكية.
اشترى وارن بافيت هذه الأسهم مرتين: المرة الأولى كانت في ستينيات القرن العشرين، بعد انخفاض حاد في سعر السهم نتيجة فضيحة مالية، حيث اشترى بافيت كمية كبيرة جدًا من الأسهم، بلغت نسبتها 40% من محفظته الاستثمارية.
وبعد ثلاث سنوات، حققت هذه الاستثمارات عائدًا يتراوح بين ضعفين وثلاثة أضعاف، وجنت أكثر من عشرة ملايين دولار أمريكي، ما أثار رضا بافيت الكبير.
وبالتالي، يمكن القول إن هذه الحالة تُعد مثالًا كلاسيكيًّا على استثمار «الانتعاش من الأزمات».
وفي عام 1990، واجهت شركة «أمريكان إكسبريس» أزمةً جديدة، إذ أدت خسارتها في المنافسة مع شركتي «فيزا» و«ماستر كارد» العملاقتين في مجال بطاقات الائتمان إلى تراجع أدائها المالي وانخفاض سعر سهمها بشكل حاد.
وهنا عاد الصديق القديم مرة أخرى.
وفي هذه المرة، أجرى بافيت بحثًا متعمقًا، واكتشف أن الإدارة العليا للشركة قد تغيرت، وأن الإدارة الجديدة اعتمدت استراتيجية تركز على النشاط الأساسي للشركة وتتمحور حول تمييز موقعها التنافسي في مواجهة عملاقي بطاقات الائتمان.
فبينما تستهدف شركتا «فيزا» و«ماستر كارد» السوق الاستهلاكي الجماهيري، قررت شركة «أمريكان إكسبريس» التركيز على السوق الراقية، والتركيز فقط على أعمال تلك النسبة البالغة 20% من العملاء الأثرياء.
وفي أعوام 1991 و1994 و1995، زاد بافيت من حصته في الأسهم ثلاث مرات متتالية، وما زال يحتفظ بها حتى اليوم.
وبحلول عام 1999، كان المبلغ الإجمالي الذي أنفقه بافيت سابقًا لشراء الأسهم، والبالغ 1.4 مليار دولار أمريكي، قد تضاعف إلى 8.4 مليار دولار أمريكي، أي بمعدل نمو بلغ 6 أضعاف.
الشراء الثاني يشبه في أسبابه الشراء الأول.
وعند النظرة الأولى، يبدو أن كلا الحالتين تتعلقان بانقلاب الوضع من الأزمة إلى الانتعاش، لكن عند التعمق أكثر، يتضح أن هذا الانتعاش لا يمكن فصله عن دعم «حظ الدولة».
وكما سبق وذكرنا، فقد حقَّقت الولايات المتحدة انتصارًا في الحرب العالمية الثانية خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وبلغ «حظ الدولة» الأمريكي ذروته، ما أدى إلى ظهور سوق صاعدة كبيرة للأسهم النامية، وسمح لعلماء مثل فيشر (Fisher) بالاستفادة من هذه الموجة.
أما في تسعينيات القرن العشرين، فقد شهدت الولايات المتحدة مرحلة ثانية من القوة والازدهار بعد الحرب.
فأولًا، سقط جدار برلين وانهار الاتحاد السوفيتي، ما فتح أسواقًا واسعة أمام الشركات المتعددة الجنسيات في عشرات الدول التي تحولت إلى النظام الرأسمالي.
وثانيًا، انطلقت ثورة الإنترنت، ما رفع الكفاءة الإنتاجية وأوجد طبقة جديدة من الأثرياء في قطاع التكنولوجيا.
وهذه العوامل المرتبطة بـ«حظ الدولة» كانت من الأسباب الرئيسية وراء السوق الصاعدة الكبيرة في سوق الأسهم الأمريكية خلال تسعينيات القرن العشرين، كما استفادت شركة أمريكان إكسبريس (American Express) بشكل كبير من تحولها نحو تقديم خدمات راقية.
وينطبق الأمر نفسه على شركة كوكاكولا (Coca-Cola).
ففي عام 1987، تعرضت الولايات المتحدة لأزمة مالية، وانخفض سعر سهم كوكاكولا بنسبة 30%. وفي العام التالي، اشترى وارن بافيت (Warren Buffett) حصة كبيرة في الشركة بقيمة مليار دولار أمريكي.
وفي ذلك الوقت، بلغت القيمة السوقية لشركة كوكاكولا 15 مليار دولار أمريكي فقط.
وبعدها، وعلى مدى العقد التالي، توغلت كوكاكولا بقوة في أسواق آسيا وأوروبا الشرقية، وتضاعفت عائداتها مرتين، ما جعل تلك الفترة واحدةً من أكثر الفترات نموًّا في تاريخ الشركة الذي يمتد لأكثر من مئة عام.
وفي عام 1998، بلغت القيمة السوقية لكوكاكولا 150 مليار دولار أمريكي، أي بزيادة عشرة أضعاف مقارنةً بالعقد السابق، وصارت بذلك أكثر الأسهم ربحيةً في محفظة بافيت الاستثمارية.
وكان بافيت راضيًا جدًّا عن العائد الذي حققه من استثماره في كوكاكولا، فكان دائمًا يشير إلى «الخندق الدفاعي» (moat) الخاص بالشركة وقدرتها على الاحتفاظ بعملائها بفضل علامتها التجارية القوية، ويعتبرها استثمارًا يستحق الاحتفاظ به مدى الحياة.
لكن عند تحليل الأداء بدقة، تكتشف أن ثلاثة أرباع العائد الذي حققه بافيت خلال فترة امتلاكه أسهم كوكاكولا على مدار 30 عامًا قد تحقق فعليًّا خلال العقد الأول فقط، أي في تلك المرحلة العالمية من النمو السريع للأسهم النامية.
أما في العقدين التاليين، وبعد أن امتلأت كل زاوية في «القرية العالمية» بزجاجات كوكاكولا ووصل النمو إلى سقفه الأعلى، لم تُحقِّق الشركة فعليًّا عوائد كبيرة لبافيت.
وبالنسبة للأسهم الثلاثة الأخرى، فقد اشترى بافيت أسهم شركة موديز (Moody’s) في عام 2001، بينما اشترى أسهم جولدمان ساكس (Goldman Sachs) وبي واي دي (BYD) في عام 2008، وهي السنة التي شهدت أزمة مالية دورية تحدث كل عشر سنوات.
يُجسِّد هذا المبدأ بعمق عبارة «أكون خائفًا عندما يصبح الآخرون طامعين، وأكون طامعًا عندما يصبح الآخرون خائفين».
ومع ذلك، فإن استثمار شركة «بايدو» (BYD) كان أكثر إثارةً للدهشة مقارنةً باستثمارات شركتين ماليتين أخريين هما «موديز» (Moody's) و«غولدمان ساكس» (Goldman Sachs).
وذلك لأن هذه هي المرة الأولى التي تظهر فيها شركة تكنولوجية — وبشكلٍ خاص شركة صينية — ضمن قائمة الأسهم التي يمتلكها وارن بافيت بحصص كبيرة جدًا.
٨
في الواقع، كان وارن بافيت يراقب الصين منذ وقتٍ مبكرٍ جدًا.
وفي عام ٢٠٠٣، أثناء انتشار وباء السارس في الصين، اشترى بافيت سهم «بيتروتشاينا» (PetroChina) في سوق الأسهم الهونغ كونغ بشكلٍ سري بمبلغ ٤٨٨ مليون دولار أمريكي.
وبعد خمس سنوات، وفي قمة السوق الصاعدة عام ٢٠٠٧، باع بافيت جميع أسهمه، حيث بلغ إجمالي قيمة الأسهم وقت البيع ٤ مليارات دولار أمريكي، بالإضافة إلى أرباح توزيعات نقدية متراكمة بلغت ٢٤٠ مليون دولار أمريكي.
وهذه صفقة كلاسيكية حققت أقصى استفادة من الازدهار الاقتصادي الصيني خلال تلك الفترة.
فقبل سبع عشرة سنة، كانت أكبر فرصة اقتصادية في الصين مرتبطة بالتحضر وقطاع العقارات، وكذلك بالطلب المتزايد على الطاقة والصلب، ما أدى إلى ارتفاع أسعار هذه السلع.
وقد أدرك بافيت هذه الفرصة بذكاءٍ حاد.
أما قبل اثنتي عشرة سنة، فقد بدأت القوة العاملة الرخيصة في الصين في الانخفاض تدريجيًا، بينما بدأت صناعة التكنولوجيا في الظهور كبرعمٍ صغيرٍ فقط.
وعندئذٍ أوصى شريك بافيت، تشارلي مونجر، بشركة «بايدو» (BYD)، وبعد لقاءٍ واحدٍ مع وانغ تشوانفو، الرئيس التنفيذي لشركة السيارات الكهربائية الجديدة، قرر بافيت شراء ١٠٪ من أسهم الشركة مقابل ٢٣٠ مليون دولار أمريكي.
وبعد مرور عشر سنوات، أصبح هذا الاستثمار أحد أعلى خمسة استثمارات من حيث العائد في مسيرة بافيت المهنية.
وباستعراض تاريخ الاستثمار على مدى القرن الماضي، يتضح أن الشخصيات البارزة التي وقفت على رأس أمواج التغيير لم تكن لتصل إلى هذا المقام دون قدرتها الاستثنائية على استشراف الفرص الاقتصادية الوطنية.
ففي عشرينيات القرن العشرين، استغل جيسي ليفيرمور صعود الولايات المتحدة، وازدهار قطاع العقارات، وانتشار فقاعات المضاربة، ثم عكس مواقفه وقام بالبيع على المكشوف في قمة الفقاعة، ليكتسب لقب «ملك المضاربة»؛
وفي ستينيات القرن العشرين، استغل فيليب فيشر ثورة التكنولوجيا الكبرى الثالثة بعد الحرب العالمية الثانية، وحقق نموًّا سريعًا لشركات رائدة مثل «تكساس إنسترومنتس» (Texas Instruments) و«موتورولا» (Motorola)، ليؤسس بذلك مكانته كـ«أبو الأسهم النامية»؛
في سبعينيات القرن العشرين، واجهت الاقتصاد الأمريكي أزمة انتقالية، فحوّل دامبليتون وديفيس تركيزهما الاستثماري نحو اليابان وألمانيا، وبات التفكير الدولي مفتاح النجاح الحاسم؛
وفي ثمانينيات القرن العشرين، عاد الاقتصاد الأمريكي إلى مسار التعافي، وعادت أسهم النمو لتكتسب زخماً قوياً من جديد، ليبرز جنرالٌ جديد من جنرالات أسهم النمو في الجيل الثاني هو بيتر لينش؛
أما في تسعينيات القرن العشرين، فقد استغل وارن بافيت الفرصة التاريخية التي قدّمها ازدهار الاقتصاد الأمريكي من جديد، وركب موجة الأسهم الصاعدة مثل كوكاكولا وأمريكان إكسبريس، ليصعد بسرعة هائلة. ويُقال إن «الظروف تصنع الأبطال»، فبدون استمرار الازدهار الاقتصادي الأمريكي على مدى قرن كامل، كيف كان يمكن أن يولد هذا العدد الكبير من خبراء الاستثمار؟
ولكن ما يميّز بافيت عن غيره من خبراء الاستثمار الآخرين هو أنه لم يعتمد على العمل الفردي فقط.
فخلفه وقف تشارلي مونجر، محلّلٌ بارزٌ سمح له برؤية آفاق أوسع بكثير.
وبإرشاد مونجر، تخلّى بافيت عن اقتصاره السابق على أسهم «السيجار المتبقي» الرخيصة، وبدأ يستثمر في شركات تكنولوجية ناشئة ومزدهرة مثل آبل وبي واي دي (BYD)؛ كما لم يعد يقتصر على الشركات الأمريكية فقط، بل وسّع نطاق نظرته ليشمل العالم بأسره، وحاول اغتنام الفرص في الصين الصاعدة.
وفي محفظة بافيت الاستثمارية، يمكنك أن تشعر بدمجٍ فريدٍ بين مفهوم هدف السلامة الذي طرحه غراهام + قواعد استثمار أسهم النمو عالية الجودة التي وضعها فيشر + رؤية دامبليتون وديفيس الاستثمارية العالمية + وعي لينش بالاستثمار المتنوّع، كل ذلك يجتمع في وحدة واحدة.
ويشبه سوق الاستثمار بقية القطاعات الأخرى تماماً: فهو يوفّر فرصاً، لكنه يحمل أيضاً مخاطر ومناطق عمياء. وبما أن قدرات الفرد محدودة بطبيعتها، فإن الحاجة تتزايد أكثر فأكثر للعمل الجماعي، عبر تطبيق منهج علمي متخصص + تقسيم المهام والتعاون، لمواجهة العواصف والعوامل المضطربة معاً.
وهذا هو السبب في أن جيني ليفيرمور، رغم عبقريته الاستثنائية في بداياته، لم يفلح في تجنّب الإفلاس المتكرر؛ بينما استطاع بافيت اليوم أن يحافظ على سجلٍّ لا يُقهَر لأكثر من نصف قرن.
وفي عام 2019، كان عمر بافيت 90 عاماً، وعمر مونجر 96 عاماً.
وفي مقابلاته مع وسائل الإعلام، ظلّ عقلاهما حادّين، وتفكيرهما عميقاً، وتتميّز كلماتهما غالباً بالصدق الذي ينبع من فهمٍ شاملٍ للواقع والالتزام الثابت بالمبادئ الأساسية.
هل هي سنوات الخبرة الاستثمارية الطويلة التي منحتهما تلك الهيبة الهادئة غير المتأثرة بالاضطرابات؟
أم أن الغاية القصوى للاستثمار هي في الأصل استخلاص مبادئ عمل الكون بأسره واندماجها مع الذات؟
غرام: 83 عاماً؛ فيشر: 98 عاماً؛ دامبليتون: 97 عاماً؛ ديفيس: 89 عاماً...
إن الاستثمار في الواقع هو رحلة تدريبٍ روحيٍّ وعقليٍّ.
9
في عام 2007، وقبل اندلاع الأزمة المالية بفترة وجيزة، كانت الشمس ساطعة في السماء.
ودع الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش شخصًا يُدعى راي داليو إلى البيت الأبيض لشرح طبيعة أزمة القروض العقارية.
وفي ذلك الوقت، كانت أزمة القروض الرديئة قد بدأت للتو في الظهور، ولم يكن أحدٌ يعرف بالضبط ما الذي يحدث.
وصرّح داليو بصراحة:
"إن مستوى الإقراض والرافعة المالية لدى المؤسسات المالية الأمريكية في تلك اللحظة كان مماثلًا تمامًا لأزمة الائتمان التي شهدتها ألمانيا في عصر جمهورية فايمار، كما أن قدرتها على سداد الديون كانت هشّة للغاية، وبات إفلاس عدد كبير من البنوك أمرًا لا مفر منه."
وبعد عدة أشهر، تفاقمت الأزمة المالية تدريجيًّا، وأفلست 400 بنك أمريكي، بل وحتى مؤسسات مالية عريقة مثل ليهمان براذرز (Lehman Brothers)، وميريل لينش (Merrill Lynch)، وبير ستيرنز (Bear Stearns) لم تنجُ من هذه الكارثة.
سيتي غروب (Citigroup) وشركة التأمين AIG نجتا فقط بفضل الدعم الطارئ الذي قدّمته لهما مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي).
أما أسهم وارن بافيت المفضلة مثل بنك ويلز فارغو (Wells Fargo)، وأمريكان إكسبريس (American Express)، ووكالة التصنيف موديز (Moody’s)، فقد انخفضت جميعها بنسبة 50٪ تقريبًا، ما تسبب في خسائر فادحة.
أما صندوق بريدجووتر (Bridgewater Associates) التابع لديليو، فقد حقق عائدًا إيجابيًّا بلغ نحو 9٪، وذلك بسبب تنبؤه المبكر باندلاع الأزمة، وشراء كميات كبيرة من السندات الحكومية والذهب، بالإضافة إلى المضاربة على انخفاض قيمة الدولار الأمريكي.
وبعد انتهاء الأزمة، ازدادت شهرة صندوق بريدجووتر بشكل كبير، ليصبح تدريجيًّا أكبر صندوق تحوط في العالم.
راي داليو، وهو ما يُعتبر اليوم أعظم خبير استثماري في عصرنا، ويُنظر إليه أيضًا على أنه أفضل من قام بإدارة مخاطر الدورات الاقتصادية.
إذن، كيف تمكن داليو من تجنّب الخسائر تمامًا في ظل هذه المخاطر؟
وُلد داليو عام 1949 في نيويورك، وهو من الجيل نفسه الذي ينتمي إليه بيتر لينش (Peter Lynch).
وبدأ التداول في الأسهم أثناء دراسته في المرحلة الثانوية، وكانت أول شركة اشترى أسهمها هي شركة الخطوط الجوية الشمالية الشرقية الأمريكية (Northeast Airlines)، وهي أيضًا شركة طيران، تمامًا مثل الشركة التي اشترى لينش أسهمها.
وبعد ذلك، ارتفعت أسعار الأسهم ثلاث مرات، فقام ببيعها لتحقيق الربح.
ثم التحق بكلية هارفارد للأعمال، حيث أصبح زميل دراسة مرة أخرى مع لينش.
يمكن القول إن هذا الشخص الذكي للغاية عاش في سنواته الأولى تجربةً مماثلةً تقريبًا لتلك التي عاشها لينش.
إلا أن مساريْهما انفصلا في ثمانينيات القرن العشرين.
فبينما اعتمد لينش على الاستثمار المُتنوّع والاستفادة من فرص الأسهم النامية، أظهر موهبةً استثنائيةً؛
رأى داريو مشكلة الديون في المكسيك واعتقد أن الاقتصاد الأمريكي سيتأثر سلبًا بها، فقام بالرهان على البيع على المكشوف، لكن تحليله خابَ ظنّه، وأدى ذلك إلى شبه إفلاسٍ.
وكانت هذه السقطة قاسيةً جدًّا بالنسبة لداريو.
وبسبب هذه المعاناة الشديدة، بدأ يعيد التفكير في أخطائه، وانغمس بعمقٍ في دراسة كتاب «التاريخ النقدي للولايات المتحدة»، حيث قام بتحليل بيانات الأزمات الاقتصادية والرافعة المالية والديون على مدى أكثر من مئة عام، بالإضافة إلى أداء مختلف الأصول.
ويقول خبراء الاستثمار: «ليس هناك ما هو جديد تحت الشمس».
فأي تقلّب دوري أو تعبئة مفاهيمية — مهما كانت غريبة أو غير مألوفة — يمكن العثور على إجابته في التاريخ.
فقط من خلال الإحاطة الكاملة بالحالات التاريخية والأنماط المتكررة، يمكن للمرء أن يتجنب الانخداع بالضجيج الحالي، وأن لا يفقد بوصلته أو يفاجأ بالأحداث دون استعداد.
وبحسب ما ورد في التقارير الإعلامية، فإن مكتب داريو مليءٌ بالكتب، وأكثرها عددًا هي الكتب المتخصصة في دراسة الأزمات الاقتصادية، مثل الكساد الكبير في الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن العشرين، و«العقد الضائع» في اليابان في تسعينيات القرن العشرين، وأزمة الديون في أمريكا اللاتينية.
وبعد أن أمضى أكثر من عقدٍ في البحث المعمّق، قدّم داريو في عام 1996 استراتيجية «الاستثمار في جميع الأحوال الجوية»:
وباختصار، فإن أسواق الاستثمار تمر بأربع فصول، ولكل بيئة مناخية استراتيجية توزيع أصول مختلفة.
فعندما ينمو الاقتصاد، يكون من المناسب شراء الأسهم والسلع الأساسية وأصول الاقتصادات الناشئة؛
وعندما يدخل الاقتصاد في حالة ركود، يكون من المناسب شراء السندات؛
وفي حالات التضخم المرتفع، يكون من المناسب شراء السلع الأساسية وأصول الاقتصادات الناشئة؛
أما في حالات التضخم المنخفض، فيكون من المناسب شراء الأسهم والسندات.
وبالتالي، فإن التحوّل المستمر في توزيع الأصول عبر دورات المخاطر والفرص هو ما يسمح للمرء بالمرور عبر غابة الفرص دون أن يلتصق به أي ورقة.
من منظور فلسفة الاستثمار، فإن رؤية داريو أوسع نطاقًا بكثير مقارنةً بأسلافه.
فهو ينظر إلى الأمام لقرونٍ كاملة، ولا يركّز بعد الآن على التقلبات الدقيقة في سهمٍ واحدٍ، بل يراهن على مستقبل الدولة بأكملها.
وفي عام 2018، أنشأت شركة بريدج ووتر رسميًا أول صندوق استثماري خاص لها في الصين، وبدأت تُخفّض تدريجيًا مراكزها في أسواق الأسهم الأمريكية التي كانت تشهد ازدهارًا منذ عشر سنوات، لتوجّه تركيزها نحو الدول الناشئة الصاعدة.
