المؤلفون: تشانغ لِي، تشيو غو لو وآخرون
مستمدٌ من مقدمة كتاب «الأمور غير البسيطة في الاستثمار»، ومصادر أخرى مثل شركة «هاوي أسيت مانجمنت».
«أثمن ما يملكه المستثمر ليس المال، بل الوقت!»
لقد عرفتُ منذ زمنٍ بعيد كلًّا من تشيو غو لو، ودنغ شياو فنغ، وتشوو لي وي، وسون تشينغ روي، وفنغ ليو، ووانغ شي هونغ — وهؤلاء الستة من المستثمرين يتمتعون جميعًا بسحر شخصيٍّ وذكاءٍ وعلمٍ يستحقان الإعجاب والتقدير. كما أن لديهم سمةً مشتركةً واحدةً: السعي الصادق إلى الحقيقة، والتأمل المتواضع في الذات، والإيمان العميق برُوح ريادة الأعمال. وأعتقد أن هذه الصفات بالضبط هي التي جمعتهم معًا في «نادي الاستثمار» الذي أسسوه بأنفسهم، حيث يجتمعون ليتناقشوا في أمور الاستثمار كأنهم يجلسون حول موقدٍ دافئٍ في الليل، تمامًا كما ورد في القصيدة الصينية القديمة: «عندما تسقط الأوراق وتَجفُّ المياه، تيبس الجبال كلُّها، وفي تلك اللحظة أرى نفسي الحقيقية بوضوحٍ تامٍّ. أجلس أمام الكتب المُرقَّعة، وتنعكس حركة المصباح على الجدار، وأُنشد أغنيةً عاليةً في منتصف الليل بينما يغطي الثلج كوخنا.»
وبالنسبة للاستثمار، فإن الأمور البسيطة وغير البسيطة قد تتشارك في أوجه تشابهٍ كبيرة: كيف نحافظ على هدوء البال، وكيف نتمسك بمبادئنا دون الانجراف وراء التقلبات السوقية أو التشكيك الذاتي المستمر؟ إن هذا يتطلب أكثر من أي شيءٍ آخر قدرةً استثنائيةً على البحث والتحليل العميق للقطاعات والشركات والأسواق، إضافةً إلى التزامٍ قويٍّ بالانضباط الذاتي وروح الاستثمار الأصلية.
«البحث عن أفضل الشركات، وأن نكون أصدقاءً للوقت» — هذه إحدى أدق التعبيرات عن مفهوم الاستثمار القائم على القيمة. فالعائد الحقيقي من الاستثمار هو في الواقع ما يحصل عليه المستثمر باعتباره مالكًا للشركة، من القيمة التي يخلقها فريق الإدارة عبر الابتكار والنمو المستدام للشركة. وكثيرًا ما يعبّر الناس عن أسفهم قائلين إن أثمن ما يملكه المستثمر ليس المال، بل الوقت. ولذلك، فإن الرغبة في تخصيص وقتٍ أطول للبحث، وللاحتفاظ بالاستثمارات، ولمرافقة الشركات في مراحل نموها المختلفة — أي «إنفاق وقتٍ كافٍ لتصبح صديقًا لأفضل الشركات» — تمثل التزامًا طويل الأمد وثقةً عميقةً. وهذه الثقة لا تنبثق إلا من تقييمٍ عقلانيٍّ دقيقٍ للمخاطر، ومن الشجاعة والصدق اللذين ينبعان من القلب.
«المزيد من البحث يهدف إلى اتخاذ عددٍ أقل من القرارات، فالتفرُّد في تحليل عددٍ أقل من المتغيرات الأساسية والمهمة هو أسهل وأبسط طريقةٍ لرفع درجة اليقين والاستثمار في الاحتمالات العالية.» ولا شك أن هذا النهج — الذي يجمع بين «الارتقاء المنطقي في التفكير» و«التبسيط في اتخاذ القرار» — يُعد أدق وصفٍ للحقيقة. فالمستثمر لا يمكنه أن يشهد بنفسه جميع جوانب نمو الشركة، ولا يمكنه أيضًا التنبؤ بالعوامل غير المعروفة في السوق؛ إذ إن محدودية الإدراك الفردي وفوضى التغيرات السوقية تشكلان تناقضًا طبيعيًّا. ولذلك، وفي هذه الرحلة الطويلة نحو المعرفة، يجب على المستثمر أن يحمل قلبًا متواضعًا، وأن يركّز على المدى الطويل في عددٍ محدودٍ من المتغيرات الرئيسية التي يمكن توقعها أو تصورها أو تصور آفاقها المستقبلية، ثم يعود إلى جوهر البحث نفسه: وضع فرضيات جريئة، واختبارها بحذرٍ شديد، والعثور على «الحاجز الواقي» الذي يحمي الشركة في مسارها الابتكاري، وبالتالي اتخاذ أفضل القرارات الممكنة.
«لدى الصين مزايا هائلة لا تُضاهى من حيث الحجم، وقد خضعت معظم القطاعات فيها لمنحنى تعلُّمٍ حادٍّ لم يسبق له مثيل، وهي لحظة حظٍّ نادرةٍ تعيشها الدول الكبرى.» وبالفعل، فإن كبر حجم الدولة يُعد نعمةً حقيقيةً؛ ففي ظل التسارع المتسارع الناتج عن تداخل مزايا «الرصيد السكاني» و«الحوافز السياسية» و«الحوافز الصناعية»، تتمكن الشركات من الابتكار المستمر، وتكون تكلفة التجربة والخطأ منخفضةً للغاية، بينما تكون مزايا الحجم هائلةً، مما يشكّل بيئةً مثاليةً لتفوق رواد الأعمال الصينيين.
وبإمكاننا أن نرى اليوم أن الصين تمتلك عددًا متزايدًا من رواد الأعمال والمخترعين والعلماء ورجال الأعمال الذين يستحقون الإجلال والاحترام، وهم يواصلون السعي الدؤوب نحو التميز في الابتكار العلمي والصناعي والمنتجي. وهذا بالضبط ما يشكّل الأساس الذي يقوم عليه الاستثمار القائم على القيمة.
وفي سوق رأس المال الصيني اليوم، لم يعد الاستثمار القائم على القيمة مصطلحًا جديدًا، بل أصبح هناك عددٌ متزايدٌ من المؤمنين به والممارسين له، يستخدمون أساليب تفكيرهم الخاصة لاستكشاف عوالم جديدةٍ غير معروفةٍ. وقد أنشأ هذا النهج الاستثماري رابطةً عاطفيةً قائمةً على الثقة والاحترام المتبادل بين المستثمرين ورجال الأعمال، وهذه الرابطة بالذات هي التي تمنح رواد الأعمال الشجاعة لتجريب أفكارٍ عظيمةٍ، وتوجيه أنظارهم نحو العقد أو العقدين القادمين، ورؤية التغيرات المستقبلية في الحياة والإنتاج من منظورٍ طويل الأمد للغاية. وهذه الاستثمارات طويلة الأمد جدًّا، التي تنبع من فلسفة الاستثمار القائمة على القيمة، تُوفّر للشركات أقوى دعمٍ ممكنٍ.
وبشكلٍ ما، فإن تحمل المخاطر المرتبطة بالابتكار نيابةً عن رواد الأعمال المتميزين يشكّل جوهر العوائد الزائدة التي يحققها الاستثمار القائم على القيمة.
27 مبدأً لتشانغ لِي: الاستثمار هو في الواقع استثمارٌ في الإنسان
الاستثمار والتربية — هذان الأمران هما اللذان يكرر تشانغ لِي الحديث عنهما دائمًا. وهو يحب أن يقول: «الاستثمار هو في الواقع استثمارٌ في الإنسان»، ويبحث عن رواد أعمالٍ موثوقٍ بهم حقًّا، يتمتعون بمنظورٍ استراتيجيٍّ واسعٍ، وروحٍ واسعةٍ، وقدرةٍ تنفيذيةٍ قويةٍ. فهو يمارس الاستثمار بيده اليسرى، ويعمل في مجال العمل الخيري بيده اليمنى، ويُدير كلا المجالين بجدٍّ وتفانٍ، مما يلفت الأنظار إليه من كل مكان. ومع أنه يقود شركةً تبلغ أصولها 30 مليار دولار أمريكي، فإنه يظل شخصيةً متواضعةً تحرص على الحفاظ على مسافةٍ مناسبةٍ من وسائل الإعلام، وعندما يظهر أحيانًا تحت الأضواء، فإن نصف الوقت الذي يتحدث فيه يكون مخصصًا لقضايا بناء الإنسان وتنمية المواهب. وتلتزم شركة «هاي لينغ» (Hillhouse) بالاستثمار طويل الأمد القائم على القيمة، وتؤكد دائمًا في سياساتها المتعلقة بتنمية الكفاءات البشرية على أهمية «المنظور الاستراتيجي»، وعلى ضرورة التركيز على التنمية طويلة الأمد والمنفعة المتبادلة.
1. ومن وجهة نظر المستثمر، فإن العديد من استثمارات رأس المال المخاطر تتطلب الخروج منها في نهاية المطاف، أما الاستثمار في الإنسان، فهو استثمارٌ لا يحتاج أبدًا إلى الخروج منه. ومن خلال ممارستي العملية على مر السنين، أدركتُ بعمقٍ أن التعليم هو أهم استثمارٍ يمكن للإنسان أن يقوم به في حياته، وأذكى استثمارٍ كذلك. ولذلك، أطمح إلى تعزيز مفهوم التعليم الشامل عبر أساليب مبتكرة، متحملًا بذلك مسؤوليتي في عملية التحول الاجتماعي، ومساهمًا في خلق قيمةٍ حقيقيةٍ.
٢. فلسفة الاستثمار التي تتبعها شركة «هيجينغ» (Hillhouse) تنطبق أيضًا على التعليم واختيارات الحياة في جوانب عديدة. أولًا: «التمسك بالطريق الصحيح واستخدام الابتكار»، أي أن يُبنى الابتكار على أساس التمسُّك بالقيم والمبادئ الصحيحة؛ ثانيًا: «رغم تدفُّق مياه النهر، فإننا نكتفي بكوبٍ واحدٍ منها»، أي أن يركِّز الإنسان على الجزء الذي يجيده أكثر ما يمكن ضمن حدود مواهبه المحدودة؛ وثالثًا: «الخوخ والكمثرى لا تتحدثان، ومع ذلك تتشكل الطريق تحت أشجارهما تلقائيًّا»، أي أنه إذا قام الإنسان بأداء مهمته على أكمل وجه، فسوف يأتي النجاح تلقائيًّا دون سعيٍ مباشر.
٣. في مجال الاستثمار، أفضِّل رواد الأعمال الذين يطمحون إلى إنجاز أمورٍ عظيمة؛ أما في مجال التعليم، فأحب أن أتعاون مع رواد أعمال يتمتَّعون برؤية استراتيجية عظيمة لاكتشاف المواهب وتنميتها. وأعظم متعةٍ أشعر بها هي مساعدة الأفراد المتميزين على تحقيق أحلامٍ أكبر.
٤. ينقسم مفهوم «الاستثمار القائم على القيمة» إلى مرحلتين: الأولى هي اكتشاف القيمة، والثانية هي خلق القيمة. وبالمثل، فالتعليم أيضًا يتضمَّن اكتشاف الموهبة الذاتية والقيمة الشخصية، ثم بناء هذه القيمة الفريدة والاستفادة منها لخلق قيمة جديدة، وهكذا يحقِّق الإنسان نجاحه الشخصي خلال عملية «الاستثمار القائم على القيمة».
٥. يمكن لمنصات التعليم الجيدة أن تشكِّل شخصية الفرد وتوسِّع آفاقه؛ كما أن الحوار المباشر مع قادة الأعمال المتميزين يرفع من مستوى الفرد ويوسِّع رؤيته. ولذلك، ينبغي أن نفكِّر في السؤال التالي: كيف نقضِي وقتًا كافيًا مع أشخاصٍ ذوي جودة عالية، ونقوم معهم بمهام ذات جودة عالية؟ أما الكسب المالي فهو مجرد نتيجة طبيعية تترتب على ذلك تلقائيًّا.
٦. إن معنى الثروة يتجاوز بكثير الجانب المادي والمالي، بل تمثِّل أيضًا المسؤولية الأخلاقية الجسيمة. وبما أن ثروتنا مصدرها المجتمع، فإن علينا أن نستغلَّها بحكمة لخدمة المجتمع والردِّ عليه. وعلى المستوى الجزئي، يشكِّل هذا دورةً إيجابيةً بين المعرفة والثروة؛ أما على المستوى الأوسع، فيهدف إلى توافق القيمة الشخصية مع الهدف النهائي المتمثل في الإسهام في رفاه البشرية. فعندما تقدِّم وردةً لشخصٍ آخر، تبقى رائحتها في يديك.
٧. أرى نفسي ليس مجرد متبرِّع بالثروة، بل ممارسٌ لنماذج تعليمية مبتكرة. فبالنسبة لرجال الأعمال، فإن التبرع بالأموال أمرٌ نسبيًّا سهل. أما الأهم فهو بذل الجهد والوقت، ودمج الفكر التعليمي العالمي الرائد والموارد ذات المستوى العالمي مع الواقع الصيني والاتجاهات التنموية للبلاد بشكل عملي وواقعي.
٨. إن التفكير الحر عبر القطاعات المختلفة، والقطاعات المتداخلة، والتخصصات المتنوعة ضروريٌّ للغاية. ففي العصر الصناعي الجديد، يظل الدافع الأساسي هو التكنولوجيا والعلوم، ولا بد من وجود ابتكارات علمية حقيقية، خاصة في العلوم الأساسية والعُلميات الصلبة (Hard Sciences). وبالتالي، وفي ظل هذه البيئة، يحتاج المرء إلى مخزون معرفي متعدد الجوانب، إذ لا يكفي امتلاك المعرفة في إدارة الأعمال أو الاقتصاد والمال فقط.
٩. يحتوي النظام التعليمي الصيني على العديد من الجوانب الإيجابية، مثل تدريب الطلاب على مدى طويل وخضوعهم لتقييمات متعددة، مما ينمِّي لديهم مرونةً عاليةً، وهذه الصفات مهمة جدًّا لتطورهم الشخصي في المستقبل، سواء في ريادة الأعمال أو الاستثمار. ومع ذلك، وفي ظل التغيرات السريعة في البيئة الاقتصادية والاجتماعية، يلزم تطوير مواهبٍ متعددة التخصصات، تجمع بين الحس التجاري والمهارات العلمية. وهذا ما يطلبه السوق، وهو أيضًا ما يطلبه المجتمع.
١٠. لا يجوز لنا أن نبني جسرًا واحدًا فقط، بل يجب أن نبني العديد من الجسور المختلفة، بل وقد نحتاج حتى إلى قوارب نقل لمساعدة الجميع على الوصول إلى شاطئ التعليم والوعي الذاتي والثراء الذاتي بطرقٍ متنوعة. وهذا في جوهره يعبِّر عن الحاجة إلى التنوُّع في التعليم، حيث يجب أن توجد مساحاتٌ واسعةٌ للتعليم النخبوي، والتعليم الشامل، والتعليم المهني، وغيرها من الأشكال التعليمية المتنوعة.
١١. لقد ظللت دائمًا أؤمن بأن بناء المستقبل يتطلب خيالًا لا نهائيًّا وتنفيذًا عمليًّا دقيقًا، وأن اجتماع هاتين القوتين يشكِّل الابتكار، الذي يتركَّز جوهره في الإنسان.
١٢. ويُعَدُّ التعليم مجالًا يعتمد بشدة على العناية العاطفية والتحفيز، وكلما زاد انتشار الآلات في عصر الذكاء الاصطناعي، زادت الحاجة إلى تلك الصفات الإنسانية الفريدة مثل التعاطف والتفاعل العاطفي، وهي صفات تحمل حقًّا دفءً إنسانيًّا حقيقيًّا. وسيقود الابتكار التكنولوجي في النهاية إلى الابتكار في التعليم، فعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يطرح تحدياتٍ كبيرةً أمام التعليم، فإن هذه التحديات تمنح البشر فرصةً أعظم لإعادة صياغة التاريخ.
١٣. إن الاندماج العميق بين المالية والتكنولوجيا يفتح آفاقًا أوسع للابتكار في تطوير الكوادر البشرية. فالمشاركة في الابتكار المالي التكنولوجي (Fintech) وابتكار الخدمات المالية عبر الإنترنت ليست محصورةً على الخلفيات التقنية فقط، بل إن خريجي التخصصات الفنية والإنسانية والاجتماعية لهم دورٌ كبيرٌ في هذا المجال أيضًا.
١٤. إن المدخل للمستقبل هو العلم والتعليم. فنحن بحاجةٍ إلى علماء يتمتَّعون بالحس التجاري والروح الإنسانية، وكذلك إلى رجال أعمال يمتلكون المعرفة العلمية ويحترمون العلم، ويمكنهم العمل جنبًا إلى جنب مع العلماء.
١٥. ينبغي الجمع بين الإنسانية والتفوق، فلا ينبغي أن ينعزل النخبويون عن محيطهم الاجتماعي ليتفرَّدوا بأنفسهم، بل عليهم أن يواكبوا التطور المجتمعي، وأن يحقِّقوا قيمتهم الذاتية من خلال التفاعل الحي مع المجتمع.
١٦. لا يكفي أن نمتلك قدرة التفكير العلمي النقدي فحسب، بل يجب أن نحتفظ دائمًا في قلوبنا بشعلة الروح الإنسانية. ونُظهر شجاعةً لا تعرف الخوف في مواجهة التغيّرات بروح «من سيفعل ذلك إن لم أفعله أنا؟»؛ ونستكشف باستمرار المبادئ الأساسية للقيمة في هذا العالم باستخدام مبدأ «الأصل الأول» (First Principle)؛ ونضيء المنارة في قلوبنا بالروح الإنسانية، ونفكر على نطاق واسع (Think big)، ونخطط لفترة طويلة (Think long)!

١٧. لا تسأل ما القيمة التي تقدّمها لك المؤسسة التعليمية، بل اسأل نفسك: كم من القيمة تستطيع أن تخلقها بنفسك؟ وبعبارة أخرى، فإن «خلق القيمة» هنا هو في الواقع عملية ديناميكية مستمرة لبناء الذات.
١٨. من الأمور المهمة جدًّا في الحياة أن تبحث عن مجموعة من الأشخاص الذين تحبهم حقًّا وتثق في مصداقيتهم، لتشاركهم في إنجاز أمورٍ مثيرة للاهتمام.واحرص على تقدير من هم حولك، لأنك لا تدري متى ستقول لهم وداعًا.وفي طريق الحياة، فإن اختيار الرفاق الذين تسير معهم أهم بكثير من الوجهة البعيدة التي تسعى إليها.
١٩. إن الحفاظ الدائم على الفضول الفكري (intellectual curiosity) أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة للشباب. فالوحيد الذي لا يتغير في هذا العالم هو التغيّر نفسه، والتغيّر يولّد الابتكار، ولذلك ينبغي أن نركّز انتباهنا على التغيّر. وإنما يمكننا، فقط عبر الحفاظ المستمر على الفضول، واستقبال الابتكار والانخراط فيه بشجاعة، أن نخلق قيمةً طيبةً، وأن نوسّع «الكعكة» المشتركة، ونحقّق وضعًا مفتوحًا ومربحًا للجميع.
٢٠. الصدق الحقيقي (intellectual honesty) يعني ألا تخدع أحدًا أبدًا، ولا حتى نفسك. وعلى الرغم من أن بعض الأشخاص قد ينجحون أحيانًا دون الاعتماد على الصدق، فإن هذا النجاح أولًا لا يستمر طويلًا، وثانيًا سيؤدي في النهاية إلى إيذاء ذاتهم بأنفسهم.
٢١. لقد ركّز نظام تعليمنا دائمًا على المحاضرات أكثر من التركيز على التفكير النقدي، ومع ذلك فإن الاستقلالية الفكرية (intellectual independence) أمرٌ في غاية الأهمية. وبالفعل، فإن امتلاك القدرة على التفكير النقدي المستقل يشكّل حجر الزاوية الذي يحدّد مدى استمراريتك في المسير.
٢٢. إن التعاطف (empathy) مهمٌ جدًّا. وبعد أن عشْتُ تجارب أكثر، فقد كان أكبر تغيّر طرأ عليّ هو قدرتي المتزايدة على فهم تعقيد العالم والمجتمع وتنوعهما، وأصبحت أكثر تسامحًا. وهذا يعني أنني أصبحت أستطيع بسهولة أكبر أن أقف من منظور الآخرين لأتقبّلهم وأقدّرهم وأراعي مشكلاتهم.
٢٣. إذا امتلك الشخص معًا الفضول الفكري، والاستقلالية في التفكير، والصدق، والتعاطف، وكان لديه عقلية العمل الجاد على المدى الطويل، فحينها لا يبقى سوى عامل الحظ وقانون الأعداد الكبيرة. فكرّر مرارًا وتكرارًا القيام بما يثير شغفك، واستمتع بتكراره مرارًا وتكرارًا، وسيكون النجاح مسألة وقتٍ فقط.
٢٤. إن القدرة القوية على التعلّم والبصيرة الحادة تجاه الأمور تمثّلان «الخندق الدفاعي» لمهارات الشخص. وعليك أن تتعلّم التمسّك بأهدافك، وأن تقدّر الفرص النادرة التي قد لا يفهمها الآخرون خلال فترة قصيرة، وأن تبني هذا «الخندق الدفاعي» بشكلٍ محكم.
٢٥. ينبغي أن نروّج أكثر لروح الرياضيين. ففوائد ممارسة الرياضة لا تقتصر على الجانب الجسدي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى التعاون الجماعي، والتنافس، وكيفية التعامل مع الإخفاق في مختلف المجالات. فكل من يمارس رياضة تنافسية سيواجه الإخفاق حتمًا، إذ لا يمكن لأحد أن يفوز دائمًا.
٢٦. إن إتقان الشيء حتى أقصى حدٍّ ممكن هو ما يُشار إليه اليوم بـ«روح الحرفيين». فبالنسبة لرواد الأعمال الشباب أو أصحاب المشاريع الناشئة، فإن تحقيق إنجازات مذهلة منذ اللحظة الأولى أمرٌ غير واقعي، بل إن الأمر الأهم هو اغتنام الفرص لتنمية الذات. وأوصي شخصيًّا بأن تُتقن حتى أصغر المهام، وتسعى لتحقيق أفضل نتيجةٍ ممكنة فيها. فبينما لا يمكنك تغيير البيئة العامة، يمكنك أن تعمل على خلق بيئة صغيرة مواتية؛ وبتكرار تغيير هذه البيئات الصغيرة، ستتمكن في النهاية من تغيير البيئة العامة.
٢٧. آمل أن تختاروا أن تكونوا أصدقاء للوقت. ولتصبح صديقًا للوقت، تحتاج إلى انضباط ذاتي قوي للغاية وشعورٍ عميق بالمسؤولية ينبع من القلب. وفي عالمٍ ينشغل فيه معظم الناس بـ«الإرضاء الفوري» (instant gratification)، فإن من يدرك مبدأ «الإرضاء المؤجل» (delayed gratification) يكون قد حقّق تفوّقًا مبكرًا. وأسمّي هذا الخيار «تأجيل التمتع بالنجاح». وهناك مقولة تقول: «ينبغي النظر إلى الأمور من زاوية أوسع وأبعد»، أي أن ننظر إلى المستقبل والصورة الكلية. وأقدّم غالبًا هذه النصيحة لرواد الأعمال: تعلّموا من تكتيك تشو يوان تشانغ «اجمع الحبوب بوفرة، وابنِ الأسوار عاليًا، وانتظر قبل أن تعلن ملكيتك». وهذه الاستراتيجية ناجحة في ريادة الأعمال، كما أنها تنطبق كذلك على حياتنا الشخصية. فتمسّكوا باختياراتكم الداخلية بهدوءٍ وثبات، فلا تدعوا الغرور أو التسرّع يسيطرا عليكم، فالقصص الرائعة تنشأ دائمًا من حياة مليئة بالتحديات؛ واستمروا في المضي قدمًا، وسيصبح الوقت في النهاية صديقكم.
العودة إلى جوهر الاستثمار: كن صديقًا للوقت
دعونا نتأمل بهدوء سؤالًا كه يطرح نفسه تلقائيًّا: ما طبيعة الاستثمار في جوهرها؟ ففي بداية كل عام، يلجأ العديد من المستثمرين إلى «التنبؤ» باتجاهات السوق المالي خلال العام الحالي، وتحديد الأنماط السائدة فيه وأفضل القطاعات التي قد تحقق فرصًا استثمارية.
وفي رأيي، يجب أن يعود الاستثمار إلى جوهر الشركة نفسها.
فما طبيعة الاستثمار في جوهرها؟ لا تتجاوز هذه الطبيعة الرغبة في دفع مبلغٍ معين اليوم، لاسترداد مبلغٍ أكبر في المستقبل؛ أي شراء شيءٍ قيمته دولارٌ واحدٌ مقابل خمسين سنتًا، أو كما يُقال: «زرع حبة واحدة في الربيع، وحصد عشرة آلاف حبة في الخريف». وبشكل أساسي، يسعى الاستثمار إلى اقتناء أصولٍ مُقدَّرة بأقل من قيمتها الحقيقية، أو تلك التي من المتوقع أن تنمو نموًّا يفوق التوقعات العامة. ولتحليل طبيعة الاستثمار، ينبغي النظر إليه عبر ثلاثة أبعاد.
البعد الصناعي
أولًا: ننظر إلى نموذج العمل الصناعي. فأنا أكرر دائمًا أن شراء أسهم شركة يشبه شراء عقارٍ في منطقة سكنية معينة: يمكنك تجديد منزلك، لكنك لا تستطيع تغيير بيئة الحي المحيطة به — مثل كونه ضمن منطقة تعليمية أو اتساع الفناء المركزي للمنطقة، وهي عوامل لا يمكن لأحد تغييرها. كذلك الحال بالنسبة للشركات: حتى لو امتلكت إدارةً ممتازة للغاية، فإن انتماءها إلى قطاعٍ ضعيفٍ سيجعل من الصعب جدًّا تحقيق أداءٍ مالي جيد، مهما بلغت درجة التفاني أو الجهود المبذولة. أما في بعض القطاعات الأخرى، فقد تجد أن الربح فيها سهلٌ للغاية، ومثالٌ نموذجي على ذلك هو قطاع المشروبات الكحولية الصينية (Baijiu). فعلى الرغم من تشديد الرقابة على المصروفات الحكومية في عامَي ٢٠١٣ و٢٠١٤، انخفضت أسعار أسهم معظم الشركات، لكنها ظلت تحقق أرباحًا جيدة جدًّا. وبالتالي، من البُعد الصناعي، فإن أول ما يجب تقييمه هو نموذج العمل الخاص بالقطاع، أي مدى سهولة تحقيق الأرباح فيه.
ثانيًا: ننظر إلى هيكل المنافسة داخل القطاع. فغالبًا ما نقول إن «الهيكل يحدد النتيجة». ومثالان نموذجيان على ذلك هما شركتا «ميديا» (Midea) و«جري» (Gree). فصناعة المكيفات ليست قطاعًا متميزًا بشكل استثنائي، لكن بعد حرب الأسعار التي اندلعت عام ٢٠٠٥، تشكَّل هيكل تنافسي يهيمن فيه كلٌّ من «جري» و«ميديا» على الحصة السوقية الكبرى حتى يومنا هذا. وبعد تحسُّن هيكل المنافسة في القطاع، حققت الشركتان نموًّا قويًّا في الأداء المالي حتى مع تباطؤ معدل النمو الإجمالي للقطاع، وارتفعت أسعار أسهمهما عدة مرات.
ثالثًا: ننظر إلى إمكانات النمو في القطاع. فخلال الـ١٥ سنة الماضية، قطعت الصين مسافةً استغرقت الولايات المتحدة قرنًا كاملاً لاجتيازها، حيث استهلكت الصين في غضون ثلاث سنوات كمية الأسمنت التي استهلكتها الولايات المتحدة طوال قرنٍ كامل. وفي ظل هذه الظروف، لا بد أن تكون هناك قطاعات صناعية في الصين ذات إمكانات نموٍّ محدودة، بل وقد أصبح بعضها بالفعل قطاعات «غربية» (أي في مرحلة الانحدار). ولذلك، عند اختيار القطاعات، يجب تجنُّب هذه القطاعات الغريبة، وكذلك تجنُّب القطاعات الناشئة التي تشهد منذ بدايتها منافسة شديدة جدًّا. ففي المراحل الأولى من تطور بعض القطاعات الجديدة، يعتقد الجميع أنها واعدة، فيسارع إليها ١٠٠ مستثمر مبتدئ (Angel Investors)، ويتدفق عليها ٥٠ شركة رأس مال مخاطر (VC)، وتندلع بين الشركات حرب أسعار شرسة، مما يجعل من الصعب تحديد الفائز الحقيقي. أما ما نبحث عنه فهو القطاعات التي دخلت مرحلة النمو أو الاستقرار. فبعض السلع الاستهلاكية، مثلًا، تمر حاليًّا بمرحلة النمو، وهي مرحلة مثالية جدًّا للاستثمار. وبالطبع، يجب أيضًا أخذ دورة حياة المنتج في الاعتبار.
رابعًا: ننظر إلى العوائق أمام الدخول في القطاع. فالمنافسة اليوم شديدة جدًّا، وأي قطاع يحقق عائدًا على رأس المال أعلى قليلًا أو هامش ربح صافيًّا أعلى قليلًا، سرعان ما يجذب ١٠٠ شخصًا لتقليده، و١٠٠٠ شخصٍ لسرقة فكرته. ولذلك، فإن وجود عوائق أمام الدخول أمرٌ محوريٌّ جدًّا: إما أن يكون المورد حكرًا على جهة معينة، أو أن يتطلب الترخيص الرسمي، أو أن يعتمد على ميزة تكنولوجية، أو على ميزة علامة تجارية. فبالنظر إلى قطاع المشروبات الكحولية الصينية (Baijiu)، نجد أن العديد من شركات التطوير العقاري حاولت إطلاق علاماتها الخاصة من المشروبات الكحولية في عامَي ٢٠١٢ و٢٠١٣، لكنها جميعًا فشلت بحلول عامَي ٢٠١٥ و٢٠١٦، ما يدل على وجود عوائق حقيقية أمام الدخول لهذا القطاع، يصعب على الآخرين تجاوزها.
البعد المؤسسي (الشركة)
يجب أن نبحث عن شركات متفوِّقة في فئتها. فننظر إلى آليات الإدارة الداخلية للشركة، وندرس توجُّه منتجاتها في السوق.
وأنا أطرح على نفسي دائمًا سؤالًا واحدًا: إذا واصلت هذه الشركة التوسع، فهل ستزداد قوةً مع زيادة حجمها، أم أن حجمها سيصبح عبئًا عليها؟ فبعض الشركات في قطاعات معينة تصل إلى حدٍّ معين في حجم مبيعاتها، ثم يصبح التوسع أكثر صعوبة بسبب تجاوزها لنطاق الإدارة الفعّالة، ما يضعف قابليتها للتكرار والتوسع، ويصعُب معه تحقيق نموٍّ كبير. وهذه القطاعات هي التي «تزداد صعوبةً مع كبر حجمها»، ويجب التعامل معها بحذرٍ شديد. ففي الصين، توجد العديد من شركات البرمجيات التي تعمل في الواقع على دمج الأنظمة (System Integration)، وتعتمد في مراحل نموها على «استراتيجية الجيوش البشرية»، أي توظيف أعداد كبيرة من الموظفين، ما يؤدي إلى نمو المبيعات، لكنه في الوقت نفسه يسبب انخفاضًا مستمرًّا في الربحية للفرد الواحد، دون تحقيق أي تأثير للاقتصاديات الحجمية. وهذا يختلف تمامًا عن برامج شركة مايكروسوفت (Microsoft) التي تعتمد على النمذجة البرمجية الجاهزة. فنحن جميعًا نرغب في شراء أسهم الشركات الرائدة في قطاعها، والتي تتمتع بمزايا اقتصادية حجمية، بحيث تزداد قوةً مع كبر حجمها.
البعد الإداري (الفريق الإداري)
وتقييم الفريق الإداري يتم من جانبين: الأول هو تقييم كفاءته، والثاني هو تقييم مصداقيته.
أما الكفاءة فتنقسم بدورها إلى جانبين.
أولاً، التحقق مما إذا كانت الاستراتيجية واضحة أم لا، وهل تتمحور حول هدف محدد. فكثيرٌ من الشركات تُعيد توجيه أنشطتها نحو قطاعات اقتصادية أخرى، وهذه الشركات التي تغيّر مجال عملها عشوائيًا لا نتعامل معها إطلاقًا. فكيف يمكن لشركةٍ لم تُتقن مجالها الأصلي أن تنجح في قطاع جديد تمامًا؟ وعلى مدى العامين الماضيين، حققت نسبة ضئيلة جدًّا من الشركات التي أجرت تحولات استراتيجية نجاحًا ملموسًا.
ثانياً، الكفاءة في تنفيذ الخطط التكتيكية. وفيما يخص الشركات الصغيرة والمتوسطة، فإن العامل الحاسم هو القدرات الشخصية والكاريزما التي يتمتع بها صاحب الشركة. وغالبًا ما نجري استطلاعات رأي مع المدراء ذوي المستوى المتوسط للتحقق مما إذا كانوا يقدّرون ويُجلّون رئيس مجلس الإدارة الخاص بهم؛ أما بالنسبة للشركات الكبرى، فإننا نركّز على مؤشرات الأداء الرئيسية (KPI) للمدراء ذوي المستوى المتوسط.
وبشكل عام، لا نقوم بدراسة عدد كبير من الشركات، بل نركّز فقط على تلك التي نفهمها جيدًا، والتي تمتلك نماذج أعمال بسيطة وواضحة وسهلة تحقيق الأرباح منها. ونتعمّق في دراسة القطاع الذي تعمل فيه الشركة، والشركة نفسها، وإدارة الشركة، ونخصص وقتًا طويلاً جدًّا لتحليل شركة واحدة، وعندما نشتري أسهمها بحجم كبير، فإننا نحتفظ بها لفترة طويلة جدًّا.
خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، لم تتغير حصتي الأكبر في سوق الأسهم الصينية (A-Share) وسوق هونغ كونغ للأوراق المالية، وذلك لأنني كنتُ واثقًا تمامًا من هذه الاستثمارات حتى قبل الشراء، حيث حققت عوائد فائضة قوية جدًّا حتى في فترات السوق الهابطة (Bear Market). ولا داعي إطلاقًا لتغيير المراكز الاستثمارية بشكل متكرر على المدى القصير، إذ إن هذا النهج لا يؤدي إلى عوائد تراكمية جيدة على المدى الطويل. بل يجب التركيز على إيجاد إدارات تنفيذية ممتازة، وشركات متميزة، وقطاعات اقتصادية مربحة، والاستفادة من مرور الزمن لتحقيق النمو.
وبعد كل هذه النقاشات، فإن المحور الأساسي الذي نسعى للإجابة عنه هو سؤال واحد:
هل الزمن صديقٌ لك؟ وهل يكفي الاعتماد على الحظ أو الجرأة فقط، والقيام برِهانٍ قصير الأجل، وما العمل إذا تغيّرت حالة السوق فجأة؟ فغالبًا ما نشهد تحوّلات مفاجئة في السوق أسرع من تقليب الصفحات في كتاب.
وعند العودة إلى جوهر الاستثمار، فإن مهمتنا تكمن في اكتشاف الشركات الممتازة، والاستفادة من الفرص المتاحة، واتخاذ الزمن صديقًا لنا، لنكون الفائزين في النهاية.
