مقدمة
غالبًا ما تبدو تحركات أسواق الأسهم على المدى القصير عشوائية وغير قابلة للتفسير، لكن عند نقاط التحول المصيرية أو الأحداث طويلة الأمد، هل يعكس اتجاه السوق حكمة جماعية أم مجرد إجماع أعمى؟
للبحث عن إجابة عميقة لهذا السؤال، لا يوجد سياقٌ أفضل من دراسة أداء سوق الأسخم خلال الحرب العالمية الثانية. فبالرغم من كونها حدثًا متوسط المدى في سياق التاريخ البشري الطويل، إلا أن سجلاتها التاريخية غنية للغاية وتضم أحداثًا دراماتيكية غيّرت مسار الحضارة الإنسانية.
سيشارك فريق «جون ماو» قريبًا كتابًا مهمًا في تاريخ المال والتمويل بعنوان «الثروة والحرب والحكمة»، من تأليف المستثمر الأمريكي الشهير الراحل بارتون بيغز.
التاريخ يُظهر الحقائق، ويُحيي الذاكرة، ويقدم دليلًا عمليًا للحياة.
— ماركوس توليوس شيشرون
قبل قراءة النص التالي، فكّر في هذا السؤال:
لو كنت تعيش في زمن الحرب العالمية الثانية، بينما تخيّم سحب الحرب والرعب على الولايات المتحدة، ففي أيٍّ من المراحل التالية كنتَ لتجرؤ على شراء كميات كبيرة من أسهم الشركات الأمريكية؟
(1) الهجوم الخاطف الألماني (البليتزكريغ)؛ (2) الانسحاب الكبير من دونكيرك؛ (3) الهجوم الياباني المفاجئ على بيرل هاربر؛ (4) معركة ميدواي البحرية؛ (5) معركة ستالينغراد؛ (6) إنزال نورماندي؛ (7) احتلال قوات الحلفاء لبرلين.
سوق الأسهم الأمريكية قبل الحرب العالمية الثانية (1929–1939) بلغ مؤشر داو جونز الصناعي ذروته عام 1929 عند 380 نقطة، ثم أعقبه الانهيار الشهير والكساد العظيم، حيث انخفض المؤشر بنسبة 89% ليصل إلى 40 نقطة في 1932. وفي عام 1933، تولى فرانكلين روزفلت الرئاسة وبدأ «الصفقة الجديدة»، مما أدى إلى انتعاش الاقتصاد. وهكذا، كان أدنى مستوى للسوق في 1932 هو القاع النهائي لتلك الدورة الهابطة، ولم يهبط المؤشر إلى ما دون ذلك المستوى مرة أخرى. وفي يناير 1937، ارتفعت القيمة السوقية الإجمالية لبورصة نيويورك من أدنى مستوى لها عند 19.7 مليار دولار إلى 62.5 مليار دولار. تخيل أن القيمة السوقية الإجمالية للأسهم الأمريكية في 1932 لا تتجاوز اليوم قيمة شركة متوسطة الحجم. وبعد 1937، دخل الاقتصاد في ركود مرة أخرى، وظل نصف مكاتب وول ستريت شاغرًا، كما انخفض حجم التداول بشكل حاد.
الشكل 1: مؤشر داو جونز الصناعي (1929–1940)

المصدر: شركة داو جونز
في الأول من سبتمبر 1939، غزا هتلر بولندا وأعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا. صعدت الأسواق الأمريكية ثلاثة أيام متتالية بنسبة 7%، مسجلة أعلى حجم تداول منذ عامين، إذ توقع المستثمرون أن طلبات الدفاع ستحفز النمو الاقتصادي. لكن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً، إذ بدأ القلق المتزايد بشأن مسار الحرب في كبح المكاسب.
ومع بداية عام 1940، أصبحت أخبار الحرب هي المحرك الرئيسي للسوق. ورغم أن طلبات التوريد العسكري قد حفزت الاقتصاد بالفعل، إلا أن التقدم السريع للقوات الألمانية في أوروبا أثار مخاوف المستثمرين من استمرار الحرب طويلاً، وتدمير التجارة، واندلاع كساد جديد. كما أثار التوسع الياباني في آسيا مخاوف كبيرة، وبدا العالم بأسره غير مستقر ومليئًا بالعداء. وبحلول أوائل يونيو، انخفض مؤشر داو جونز من 150 نقطة إلى 114 نقطة، أي بنسبة 25%.
واللافت أن سوق الأسهم الأمريكية كان قد وصل بالفعل إلى قاعٍ غير مبرَّر، رغم الأخبار المروعة القادمة من فرنسا في مايو. فبعد إتمام الإخلاء من دونكيرك، شهد مؤشر داو جونز انتعاشًا قويًا، واستعاد ما يقرب من 40% من خسائره. لكن الصحف الأمريكية في تلك الفترة كانت تتنفس تشاؤمًا عميقًا تجاه الوضع البريطاني.ساد اعتقاد بأن بريطانيا قد تُغزَى في أي لحظة، وأن لا قوة قادرة على إيقاف الزحف الألماني. كانت القوات الألمانية تتمتع بتدريب عالٍ وخبرة واسعة، بينما كانت معدات القوات البريطانية والأمريكية قديمة وتدريبها ضعيفًا.وبعد سقوط باريس، عادت الأسواق الأمريكية إلى حالة من الضعف، لكنها لم تهبط إلى مستويات قياسية جديدة.
الشكل 2: مؤشر داو جونز عام 1940

المصدر: شركة داو جونز
بل إن بعض وسائل الإعلام الأمريكية ذهبت إلى تمجيد الكاريزما الاستثنائية لهتلر، واصف�� إياه بـ«آخر الإمبراطور العظيم» بعد الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر ونابليون. ومع ذلك، وفي خضم هذا اليأس، بدأت الأسواق الأمريكية تظهر في الصيف انتعاشًا طفيفًا،فمع بدء الغارات الجوية الكبرى على لندن، بدا أن السوق يثق بقدرة سلاح الجو الملكي البريطاني على صد الهجمات الجوية ومنع أي غزو بحري ألماني. وبعد انتهاء تلك الغارات، استأنف السوق انتعاشه بالفعل.

ومع نهاية عام 1940، تفاقمت أخبار الحرب سوءًا، وترنَّح الاقتصاد البريطاني بشدة، مما دفع الأسواق الأمريكية إلى العودة لحالة ركود. فعلى الرغم من استمرار النمو الاقتصادي الأمريكي وارتفاع معدل العمالة بنسبة 10% وزيادة الأجور بنسبة 16%، استمرت الأسواق في الهبوط. والسبب أنالأسواق الآجلة عادة ما تستفيد من الحروب بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام، حيث قفزت الأسعار في سبتمبر وحده بنسبة 25%. في عام 1940، ظل الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي وأرباح الشركات أقل بقليل من مستويات عام 1929، لكن أسعار الأسهم لم تتجاوز ثلث مستويات ذلك العام.وانخفض مؤشر داو جونز بنسبة 12% بشكل إجمالي خلال عام 1940.
إن حالة الضعف التي أظهرتها الأسواق الأمريكية بنهاية 1940 بدت وكأنها نذير بأن عام 1941 سيكون أسوأ. وهذا ما حدث بالفعل، فقد كانتفترة مظلمة وخطيرة للغاية، ولنتأمل الوضع الصعب الذي واجهه الحلفاء آنذاك:
(1) سيطرت ألمانيا على معظم أوروبا؛
(2) انضمت إيطاليا والمجر ورومانيا بالفعل إلى دول المحور؛
(3) واجهت فنلندا هجومًا سوفييتيًا وشنّت حملة مضادة، ووافقت على التعاون مع أي دولة ترغب في مهاجمة الاتحاد السوفييتي؛
(4) وبعد سقوط اليونان، شن الجيش الألماني هجومًا على الاتحاد السوفييتي ووصل إلى ضواحي موسكو؛
(5) حقق روميل انتصارات كبيرة في أفريقيا على القوات البريطانية، بينما عانت بريطانيا من حصار بحري ألماني وتكبدت خسائر فادحة؛
(6) وبعد غارة بيرل هاربر اليابانية، حققت اليابان سلسلة انتصارات في المحيط الهادئ، مما أثار الذعر في الولايات المتحدة.
في تلك الفترة، أُعجب عددٌ متزايد من النخب في نيويورك ولندن بهتلر، وأُسِرَ بجاذبيته، معربين في الخفاء عن تقديرهم الكبير لمهاراته العسكرية والسياسية. لكن الغالبية ظلت واعيةً لمخاطره، يلفّها الخوف من وحشيته.
الشكل ٣: مؤشر داو جونز الصناعي عام ١٩٤١

المصدر: شركة داو جونز
شهد عام ١٩٤١ حالة من الركود على جبهتي القتال والأسواق المالية للحلفاء، لكن خريطة التحالفات كانت قد اتضحت معالمها. وكشفت الصحف آنذاك عن قلق بالغ بين النخبة الأمريكية والكتّاب والمحللين من عجز الحلفاء عن صد هجمات دول المحور، بل وشككوا في إمكانية تحقيق النصر، دون أن يعلموا كم ستطول أمد الحرب.
ومع حلول ربيع ١٩٤٢، استمر السوق الأمريكي في الركود. فبعد الانهيار الحاد عام ١٩٤١، واصلت الأسهم تراجعها خلال الأشهر الأولى من ١٩٤٢ مع تفاقم أخبار الحرب. كانت الغواصات الألمانية تدمر خطوط الشحن على الساحل الشرقي دون رادع، مُلحقةً خسائر فادحة بالولايات المتحدة، حتى أن ونستون تشرشل خشي أن تصبح بريطانيا جزيرة معزولة. وعلى الجانب الآخر من العالم، سقطت سنغافورة، وتمكن الجيش الياباني تباعاً من السيطرة على بورما وإندونيسيا، ثم احتل الفلبين في النهاية، مما اضطر الجنرال دوغلاس ماك آرثر إلى الانسحاب. وبدا الجيش الياباني لا يُقهر، وهو يجتاح جنوب شرق آسيا براً وبحراً، مهدداً أستراليا بشكل مباشر. وانخرطت الولايات المتحدة في معركة شرسة، بينما انتقدت وسائل الإعلام مراراً ضعف الأداء القتالي للقوات الأمريكية، ما أدى إلى انهيار حاد في سوق الأسهم. وحتى الحملات الدعائية النشطة التي أطلقتها الحكومة الأمريكية لم تُجدِ نفعاً.
وبالنظر إلى تلك المرحلة التاريخية بعين الحاضر، يصفها البعض بـ«الذعر العبثي»، لأنها شهدت في الواقع ازدهاراً هائلاً في الإنتاج الحربي، وارتفاعاً في العجز المالي، وتحقيق الشركات لأرباح قياسية. لكن الحقيقة أن السوق المالي كان لديه مخاوفه الخاصة؛ فقد اقترحت وزارة الخزانة الأمريكية رفع ضريبة الشركات إلى ٦٠٪ واسترداد الأرباح الزائدة، مما جعل من الصعب على الشركات تقدير أرباحها وتوزيعاتها. كما طرحت فكرة فرض ضريبة شخصية بنسبة ٨٥٪ على الدخل الفردي الذي يتجاوز ٥٠ ألف دولار. وساهمت الهزائم المتتالية على أرض المعركة في إضعاف ثقة المستثمرين أكثر فأكثر. ففي الأشهر الأولى، كان قسم العمليات الحربية الأمريكية يقدم الهزائم على أنها انتصارات، وعندما اكتشف الرأي العام لاحقاً أن تلك «الأخبار السارة» كانت مضللة أو كاذبة، بدأت الثقة في الجيش الأمريكي ووسائل الإعلام تتآكل، وكان رد فعل المستثمرين الأكثر حدة. في تلك الأجواء، كان أي محلل عقلاني يتنبأ بتراجع السوق.
وفي ٣٠ أبريل ١٩٤٢، هبط مؤشر داو جونز إلى ٩٢ نقطة، منخفضاً بنسبة ٣١٪ عن ذروته السابقة عند ١٣٢ نقطة في العام السابق. وكان العزاء الوحيد آنذاك يتمثل في العزم الراسخ للمملكة المتحدة والولايات المتحدة على مواصلة القتال، رغم أن هذا العزم كان ممزوجاً باليأس والتشاؤم إزاء مستقبل البشرية. ومع ذلك، كانت الأسهم الأمريكية في تلك اللحظة رخيصةً جداً وتتمتع بقيمة استثنائية. ففي أبريل ١٩٤٢، بلغت نسبة الأسهم ذات مضاعف الربحية (P/E) أقل من ٤ أضعاف في بورصة نيويورك ٣٠٪، وكانت العديد من الأسهم تُباع بخصومات كبيرة، بينما كان سعر ثلثي الأسهم يتراوح بين ٤ و٦ دولارات فقط. أما بالنسبة لـ٦٠٠ سهم تمثيلي، فقد بلغ متوسط مضاعف الربحية (P/E) ٥٫٣، وباستثناء ١٠٪ فقط من الأسهم، لم يتجاوز مضاعف الربحية لدى البقية ١٠ أضعاف.

وفي مايو ١٩٤٢، وقبل أن تتحسن حظوظ الولايات المتحدة في مسرح المحيط الهادئ، وصل السوق الأمريكي إلى قاعه في صمت، وسط أجواء كئيبة وتفاؤل شبه منعدم، ثم بدأ في الارتفاع تدريجياً. وعلى الرغم من استمرار تدفق الأخبار السيئة من أنحاء العالم، بدا أن المشاركين في السوق قد أدركوا أن ميزان القوى في المواجهة بين الولايات المتحدة واليابان قد بدأ يتحول. ففي أوائل مايو، انتهت معركة بحر المرجان بين الطرفين بالتعادل (وليس الانتصار)، وهي المرة الأولى التي يفشل فيها اليابانيون في تحقيق أهدافهم المخططة — حيث لم يتمكنوا من السيطرة على قاعدة لغزو أستراليا، وتمكن الجيش الأمريكي لأول مرة من صد قوات يابانية متفوقة تفوقاً واضحاً في العدة والعتاد.
في الواقع، كان الربع الثاني من عام ١٩٤٢ هو القاع الحقيقي للسوق الأمريكي، والنهاية الفعلية للهبوط الكبير الذي بدأ عام ١٩٢٩. ومن ذلك الربيع، انطلقت موجة صاعدة طويلة استمرت نحو عقدين من الزمن، حيث دفع الازدهار في أعقاب الحرب سوق الأسهم الأمريكية إلى مستويات لم تكن لتخطر على بال. ومع ذلك، يبدو أن السوق المالي وحده كان يدرك بشكل حدسي أ�� الكساد الطويل العظيم قد انتهى، وأن عصراً جديداً قد بدأ.
لقد أثبت سوق الأسهم مراراً أن قاع السوق الهابط يتشكل عندما تبلغ مشاعر التشاؤم ذروتها. وبعد تلك النقطة، لا يحتاج السوق بالضرورة إلى أخبار إيجابية ليرتفع، بل يكفي ألّا تكون الأخبار أسوأ مما تم توقعه وحسابه مسبقاً في أسعار الأسهم.
الشكل ٤: مؤشر داو جونز الصناعي عام ١٩٤٢

المصدر: شركة داو جونز
في أوائل يونيو 1942، خلال معركة ميدواي، تعرضت البحرية اليابانية لضربة قاصمة على يد القوات الأمريكية، مما حَطَّم قدرتها على شن هجمات بحرية هجومية وأجبرها على التحول إلى استراتيجية دفاعية محضة. ومن المثير أن الإعلانات الرسمية الأمريكية في البداية لم تصف المعركة بانتصار عسكري كامل، كما أن الخبراء والإعلام لم يدركوا على الفور حجم أهميتها الاستراتيجية. كان الرأي العام آنذاك منشغلاً بانتقاد سلسلة الهزائم والانسحابات المتتالية، دون أن يلحظ التحول الحاسم الذي بدأ مع معركتي بحر المرجان وميدواي.
لكن سوق الأسهم الأمريكية أظهرت حدساً استثنائياً، حيث أدركت الأهمية البالغة لمعركة ميدواي قبل الخبراء بفترة طويلة. لقد حوّلت المعركة مسار الحرب إلى حرب استنزاف طويلة، وهي معركة لا تستطيع اليابان – كدولة صناعية محدودة الموارد – الصمود فيها أمام القوة الصناعية الهائلة للولايات المتحدة. من تلك اللحظة، بدأت اليابان بالتراجع من ذروة قوتها. وكانت الولايات المتحدة قد شرعت بالفعل ��ي بناء أسطول حديث من السفن الحربية وحاملات الطائرات بوتيرة سريعة. في أوائل عام 1941، كشف الأدميرال الياباني إيسوروكو ياماموتو، قائد الأسطول المشترك، عن مخاوفه للرئيس الياباني قائلاً: «سأقاتل بشراسة لمدة ستة أشهر أو عام، ولكن إذا امتدت الحرب لعامين أو ثلاثة، فلن أضمن النتيجة على الإطلاق».
أدرك ونستون تشرشل أيضاً الأهمية الاستراتيجية الحاسمة للمعركة، حيث علّق قائلاً: «لقد رفعت هذه المعركة الروح المعنوية لقواتنا على الفور، وقلبت موازين القوى في المحيط الهادئ ضد اليابان. لقد تلاشى إلى الأبد ذلك الزخم الهائل الذي حققه العدو بانتصاراته في الشرق الأقصى. ومنذ ذلك الحين، تقدمت عملياتنا الهجومية بثبات وثقة». ومن المفارقات أن تشرشل نفسه، في أواخر عام 1937، انخدع بارتفاع سوق الأسهم الأمريكية، فاستثمر كل مدخراته، ليتعرض لخسارة فادحة في مارس 1938 مع انهيار السوق، حيث خسر كل أمواله وأصبح مديناً لشركة وساطة بمبلغ 18 ألف جنيه إسترليني (مبلغ ضخم في ذلك الوقت). واضطر في النهاية إلى سداد ديونه من خلال موهبته في الخطابة والكتابة، ليجني دخلاً كبيراً. وبعد عقد من الزمن، نشر مذكراته عن الحرب العالمية الثانية، التي حققت له عائدات نشر تقدر اليوم بنحو 40 مليون دولار، مما جعله الكاتب الأعلى أجراً في التاريخ من كتاب واحد، وهو رقم قياسي لم يُكسَر حتى الآن.
بعد بلوغ القاع في عام 1942، انطلقت سوق الأسهم الأمريكية في مسيرة صعودية استمرت أربع سنوات. كان عام 1945 عاماً استثنائياً للسوق، حيث ارتفعت الأسهم الكبرى بنسبة 36% مع تقدم الحلفاء السريع في أوروبا. أما الأسهم الصغيرة، فقد سجلت قفزات مذهلة: 45% في 1942، و88% في 1943، و54% في 1944، و74% في 1945. وبعد زوال الغيوم، انفجرت السوق كما لو أن نافورة محبوسة قد أُطلقت فجأة لتتدفق بقوة هائلة.
الشكل 5: مؤشر داو جونز من عام 1941 إلى عام 1944

المصدر: شركة داو جونز
بطبيعة الحال، لم تتحقق سوق الصعود الطويلة التي استمرت لعقدين بين ليلة وضحاها، بل تطلبت من المستثمرين ثقة عميقة وصبراً طويل الأمد. ففي عام 1946، دخلت السوق الأمريكية مرحلة تقلبات حادة؛ حيث هبط مؤشر داو جونز بنسبة 10% في فبراير، ثم قفز 14% خلال الشهرين التاليين ليصل إلى قمة جديدة في نهاية مايو، قبل أن يبدأ في التذبذب والهبوط التدريجي، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 20% في شهر واحد فقط. بعد ذلك، دخلت السوق في حالة ركود حاد في أعقاب الحرب، واستقرت في نطاق تداول ضيق مع تقلبات محدودة لمدة ثلاث سنوات. وكان السبب الرئيسي هو بداية الحرب الباردة، بالإضافة إلى تباطؤ الاقتصاد الأوروبي وصعوبة تكيّف الاقتصاد الأمريكي مع الوضع الجديد. ففي عام 1946، بلغ التضخم في الولايات المتحدة 18%، ثم 9% في 1947، قبل أن يتحول فجأة إلى انكماش نقدي بنسبة 1.8% في 1949، مما أدخل أسواق الأسهم والسندات في حالة كساد عميقة. ولم تبدأ أوضاع السوق في التحسن مرة أخرى إلا في منتصف عام 1949، بعد أن خفّت حدة الاضطرابات التي أعقبت الحرب.
الشكل 6: مؤشر داو جونز من عام 1935 إلى عام 1950

المصدر: شركة داو جونز
يُثير التقلب الذي شهدته أسواق الأسهم الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية تأملات عميقة. فبعد مرور الزمن، يسهل تحديد النقاط المحورية الحاسمة. لكن في خضم ضباب الحرب، يصعب للغاية إدراك أن المنعطف الحاسم قد حصل بالفعل. فالسوق حكيم وبعيد النظر، وقد سبق أن تنبأ مرارًا بتلك المحطات الفاصلة.
يُدرك معظم المستثمرين اليوم ضرورة التفكير بعكس التيار، والحذر من نوبات الذعر والهوس الجماعي. لكن هذه مجرد انفعالات عابرة؛ فحكمة السوق وتقلباته تنبع من الأحكام الجماعية التي تتشكل عبر آراء الأفراد المستقلين. ويتمتع المستثمرون بحدس استثنائي تجاه التطورات طويلة الأمد. فالسوق ككل يميل في المدى البعيد إلى العقلانية. ويجب الحذر من الخلوص إلى أن السوق بأكمله غير عقلاني استنادًا إلى سلوك أقلية من المشاركين.
الرسم البياني ٧: مؤشر داو جونز (١٩٢٨–١٩٦٠)

المصدر: Wind
عندما تسمع زقزقة طائر الروبين، يكون الربيع قد أوشك على الانتهاء.
— وارن بافيت
