المصدر: «الأخ المُن (ID: wm221x)»، بقلم: الأخ المُن
١
غالبًا ما ينعطف قطار الحضارة العالمية بطرقٍ غير متوقعة.
كتب لوسون في مقاله «فوائد ومضار الكهرباء»: «استخدم الأجانب البارود لصنع الرصاص لصد الأعداء، بينما استخدمه الصينيون في صنع الألعاب النارية لتكريم الآلهة؛ واستخدموا الإبرة المغناطيسية (البوصلة) للملاحة البحرية، بينما وظّفها الصينيون في علم الفنج شوي (فنون التخطيط البيئي)؛ كما استعملوا الأفيون في العلاج، في حين تناوله الصينيون كغذاء رئيسي.»
وهو ما يُجسّد بالفعل المثل القائل: «البرتقال الذي ينمو جنوب نهر هواي يصبح حلو المذاق، أما إذا نما شماله فيتحول إلى برتقال ثلاثي الأوراق مرّ الطعم.»
وهناك مثالٌ آخر بارز على ذلك. فقبل أكثر من ألفي عام، ابتكر الصينيون تقنية حفر الآبار لاستخراج الملح، وظلت هذه التقنية راكدة دون تطور يُذكر عبر العصور.
وفي ٢٧ أغسطس ١٨٥٩، استخدم الأمريكيان إدوين دريك وجوشوا بيسل، في منطقة جدول النفط قرب بلدة تيتوسفيل بولاية بنسلفانيا، نفس الطريقة الصينية في حفر الآبار لاستخراج الملح، لكن هذه المرة لاستخراج النفط لأول مرة في التاريخ. ومنذ تلك اللحظة، اكتسب النفط حياة جديدة، فأضاء العالم الذي كان يغرق في الظلام، وجلب معه في الوقت ذاته الحروب وسفك الدماء.
بعد اكتشافه، استُخدم النفط في البداية لإضاءة مصابيح الشوارع. وبعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا، بدأ بعض مهندسي السفن في تجربة رش الزيت الثقيل على الفحم لزيادة كفاءة الاحتراق.
وفي عام ١٩٠٤، تولى الأدميرال جون أرتشيبالد فيشر، الملقب بـ«أبو السفن الحربية المدرعة»، منصب وزير البحرية البريطانية. وعلى الرغم من كونه خبيرًا في المدفعية، فقد دعا بحماس إلى استبدال الفحم بالنفط كوقود للسفن، حتى لُقب بـ«مجنون النفط». وكان يقول: «سيُحدث وقود النفط ثورة جذرية في الاستراتيجية البحرية، وسيكون حدثًا يوقظ بريطانيا من سباتها!»
وبفضل جهوده الدؤوبة في الإقناع، أدركت الحكومة البريطانية أخيرًا القيمة الاستراتيجية للنفط. لكن المشكلة كانت أن بريطانيا لا تمتلك حقول نفط داخل أراضيها، فاعتمدت على مصادر النفط في الولايات المتحدة وروسيا والمكسيك.
وبصفتها القوة العظمى الأولى في العالم آنذاك، لم تكن بريطانيا لتقبل بأن تكون تحت رحمة الآخرين.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، أرسلت القوى الغربية عدة بعثات استكشافية جيولوجية إلى الشرق الأوسط، إذ كانت تشير التقديرات إلى وجود احتياطيات هائلة من النفط بين نهري دجلة والفرات.
وكانت المنطقة آنذاك تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، التي بدت قوية من الخارج لكنها كانت منهكة من الداخل. وكانت بريطانيا تتطلع إلى هذه المنطقة منذ فترة طويلة. في النهاية، نجح الجاسوس البريطاني المخضرم رايلي في الحصول على حقوق استكشاف النفط في إيران (التي كانت تُعرف آنذاك باسم بلاد فارس).
وقد اعتمد رايلي في ذلك على خبرات الجيولوجي والمهندس الأسترالي ويليام نوكس دارسي.
ففي تسعينيات القرن التاسع عشر، استدعى الشاه الإيراني مظفر الدين شاه دارسي لمساعدته في بناء شبكة سكك حديدية في إيران وتعزيز التنمية الصناعية. وفي عام ١٩٠١، ومن أجل الحصول على مبلغ مالي كبير مقدمًا، منح الشاه دارسي امتيازًا ملكيًّا يسمح له بالتنقيب عن النفط واستخراجه في إيران دون قيود لمدة ٦٠ عامًا، مع منحه ملكية جميع المنشآت النفطية التي قد يكتشفها.
ودفع دارسي ما يقارب ٢٠٠٠٠ جنيه إسترليني نقدًا على الفور، وتعهد بدفع ١٦٪ من عائدات مبيعات النفط للشاه بعد بدء الإنتاج.
وبهذه الصفقة، حصل دارسي على وثيقة قانونية لا تُقدَّر بثمن، منحته هو وخلفاؤه الحق الحصري في استخراج النفط من إيران حتى عام 1961.
كان دارسي رجلاً متديناً، فاستغل رالي هذا الأمر وتقرّب منه عام 1905 متظاهراً بأنه قسيس. وبكلماته المعسولة، أقنع دارسي بنقل امتيازه النفطي الحصري في إيران إلى شركة بريطانية «متدينة» تُدعى شركة النفط الأنجلو-فارسية (المعروفة أيضاً باسم شركة النفط الأنجلو-إيرانية).
وأصبح السير ستاكونا، المصرفي الاسكتلندي، أكبر مساهم في الشركة، ليكون في الواقع اليد الخفية للحكومة البريطانية.
وهكذا ضمنت بريطانيا أول مصدر نفطي رئيسي لها. وفي 26 مايو 1908، حفر الفريق الاستكشافي البريطاني أول بئر نفط في تاريخ إيران عند الحدود مع العراق.
كان ذلك يوماً فارقاً، غيّر منذ تلك اللحظة مسار التاريخ كله في الشرق الأوسط.
لقرون، ترددت في المنطقة أسطورة «أعمدة النار» التي كانت تُشعل في معابد الإله الفارسي القديم أهورا مازدا. والآن، تحققت الأسطورة بشكل مادي بظهور ذلك السائل الأسود القابل للاشتعال تحت صخور المنطقة. فتدفقت فرق الاستكشاف الغربية، واكتُشفت حقول النفط واحدة تلو الأخرى في العراق والمملكة العربية السعودية والبحرين والكويت.
جلب النفط ثروات هائلة إلى الشرق الأوسط، لكنه حوّله في الوقت ذاته إلى «برميل بارود» ومسرح لصراعات دموية.

جسّد المخرج الفرنسي الشهير جان-جاك أنو هذه المفارقة في فيلمه «الذهب الأسود»، حيث يحمد الأمراء «نعمة الله» على الثروة، بينما يتصارعون في الوقت نفسه، وبتحريض من القوى الغربية، على «الذهب الأسود» في صراعٍ لا يزال مستمراً حتى يومنا هذا.
٢
مع حفر أول بئر نفط في الشرق الأوسط، برز ونستون تشرشل على مسرح التاريخ، ليتولى منصب وزير البحرية البريطانية. واصل تشرشل سياسة سلفه فيشر، ودعم بقوة التحول من الفحم إلى النفط، وعمل على إعادة تجهيز أسطول البحرية البريطانية بالكامل.
ووقع الاختيار على شركة النفط الأنجلو-فارسية لتكون المورد الرسمي للنفط للبحرية البريطانية.
كانت الشركة تواجه آنذاك ضغوطاً مالية شديدة وخطر الاستحواذ من قبل شركة شل الهولندية. فاستغل تشرشل الفرصة وحثّ الحكومة البريطانية على الاستثمار بمبلغ 2.2 مليون جنيه إسترليني في الشركة، مقابل الحصول على 51% من أسهمها.
ووافق البرلمان البريطاني على اقتراح تشرشل. وهكذا، لم تحل البحرية مشكلة إمدادات النفط فحسب، بل سيطرت الحكومة البريطانية سيطرة كاملة على الشركة، وأصبح الدعم المالي الحكومي لها أمراً مشروعاً.
وبعد أحد عشر يوماً فقط، أطلقت رصاصة سراييفو شرارة الكارثة العالمية.

تشرشل في شبابه (في المنتصف): مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان تشرشل قد بلغ الأربعين من عمره، وكان يشغل بالفعل منصب وزير البحرية البريطانية.
لعب النفط دوراً حاسماً في تحديد نتيجة الحرب العالمية الأولى.
على عكس البحرية البريطانية، لم تكن البحرية الألمانية قد أكملت تحولها إلى الوقود النفطي مع بدء الحرب. واستغلت البحرية البريطانية تفوقها في مجال الطاقة النفطية لفرض هيمنتها على البحار، وحاصرت نظيرتها الألمانية بشكل محكم داخل بحر الشمال.
في عام 1917، انتقل تشرشل لتولي منصب وزير التجهيزات الحربية، حيث دعم استخدام أسلحة جديدة مثل الدبابات والطائرات والغازات السامة.
بناءً على خبرته الناجحة في الحروب البحرية، تحول تشرشل إلى ما يمكن تسميته بـ"محارب النفط". فلم يلتفت لمعارضة كبار قادة الجيش، ودعم بقوة تطوير المركبات القتالية الجديدة. في معركة أميان عام 1918، ظهرت للمرة الأولى 456 دبابة تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي، وحققت اختراقاً كبيراً في الخطوط الدفاعية الألمانية. ووصف الجنرال رودولف، قائد الجيش الألماني الأول، تلك المعركة بأنها "أسوأ يوم في تاريخ العمليات القتالية للجيش الألماني".
ولخص اللورد كيرزون، وزير الخارجية البريطاني لاحقاً، الأمر بقوله: "لقد انطلقت قضية الحلفاء نحو النصر على أمواج النفط".
٣
قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، كانت بريطانيا والإمبراطورية الروسية القيصرية وألمانيا تتنافس على النفوذ في بلاد فارس.
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وهزيمة ألمانيا وتغيير النظام في روسيا القيصرية، أصبح البلدان عاجزين عن متابعة شؤون فارس، مما مكّن بريطانيا من تعزيز نفوذها هناك.
في عام 1919، أجبرت بريطانيا فارس على توقيع "الاتفاق الأنجلو-فارسي"، لتصبح بذلك القوة المهيمنة فعلياً على البلاد. كانت سلالة القاجار الحاكمة في فارس تمر بأضعف مراحلها. حاولت بريطانيا السيطرة على فارس عبر دعم وكلاء محليين، فاختارت رضا خان، الذي كان يتمتع بنفوذ واسع.
كان رضا خان ضابطاً صاعداً من خلفية شعبية وقوي الشخصية. في عام 1921، قاد انقلاباً عسكرياً سيطر بموجبه على الجيش بالكامل. ثم أعلن نفسه شاهاً عام 1925، مؤسساً بذلك سلالة البهلوية.
احتذى رضا خان بالرئيس التركي مصطفى كمال أتاتورك، ونفذ إصلاحات علمانية جذرية، مما أثار معارضة طبقة رجال الدين، ومن بينهم الخميني، الذي كان يدرّس في الحوزات العلمية في النجف وقم (وهما مدينتان مقدستان لدى الشيعة).
في عام 1935، أصدر رضا خان مرسوماً يطلب من البعثات الدبلوماسية الأجنبية استخدام مصطلح "إيران" في مراسلاتها الرسمية. ومنذ ذلك الحين، أصبح اسم "فارس" اسماً تاريخياً.
مصطلح "إيران" مشتق من "آريان"، ويعني حرفياً "أرض الآريين".
كانت القبائل الآرية في العصور القديمة محاربين أشداء، وقد دمرت ثلاثاً من أصل أربع حضارات عريقة في العالم القديم، باستثناء الصين.
في حوالي القرن الخامس قبل الميلاد، استقر فرع من الآريين في هضبة إيران الحالية، وتكاثر هناك، ومن بين فروعهم الشعب الفارسي.
في ذروة مجدهم، أسس الفرس بقيادة داريوش الأول إمبراطورية مترامية الأطراف امتدت عبر قارات آسيا وأوروبا وإفريقيا.
ومع ثلاثينيات القرن العشرين، انتشرت في أوروبا أفكار عنصرية تزعم تفوق العرق الآري. وبعد صعود الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا وإعلانه أن «الآريين» هم أرقى شعوب الأرض، نقل السفير الإيراني في برلين هذه الأفكار إلى طهران. واستجابة لذلك، قرر رضا شاه تغيير اسم البلاد.
كحاكم لدولة ناشئة ضعيفة، سعى رضا شاه من خلال هذه الخطوة إلى تأكيد هوية إيران كالدولة «الآرية» الأصيلة، مع تواصله السري مع ألمانيا بحثًا عن خلاص من الهيمنة البريطانية.
أثناء الحرب العالمية الثانية، أعلنت إيران حيادها رسميًا، لكن رضا شاه دعم ألمانيا سرًا. مما أتاح للأخيرة الاستفادة من النفط الإيراني، فتدخلت بريطانيا والاتحاد السوفيتي على الفور واجتاحا إيران معًا، واضطر رضا شاه للتنازل عن العرش لابنه محمد رضا بهلوي. (وتوفي رضا شاه لاحقًا في جنوب إفريقيا عام 1944).
وبعد انتهاء الحرب، وجدت إيران نفسها في وضع أسوأ من الدول المهزومة؛ فقد تقاسمت بريطانيا والاتحاد السوفيتي نفوذهما فيها شمالًا وجنوبًا (وفي عام 1947، انسحبت القوات السوفيتية من شمال إيران تحت الضغط البريطاني الأمريكي، تاركةً وراءها إرثًا ثقيلًا تمثل في مشكلة الأكراد)، بينما احتكرت الشركات الغربية إنتاج النفط الإيراني وتصديره.
وفي عام 1951، تولى محمد مصدق منصب رئيس الوزراء. ينحدر مصدق من عائلة أرستقراطية مرموقة، وتعلم في الغرب، وتمتع بخبرة سياسية واسعة. أسس «الجبهة الوطنية» عام 1949، وهي حركة معارضة لاستبداد الشاه وهيمنة شركة النفط الأنجلو-إيرانية (التي كانت تُعرف سابقًا بشركة النفط الأنجلو-فارسية قبل تغيير اسمها عام 1937)، وحظي بشعبية جارفة بين الجماهير.
اتخذ مصدق من تأميم النفط شعارًا رئيسيًا لحكومته، فأصدر مرسومًا بتأميم شركة النفط الأنجلو-إيرانية، وقطع جميع العلاقات مع بريطانيا.

محمد مصدق، رئيس وزراء إيران المنتخب.
ولمّا كانت بريطانيا تعاني من خسائر فادحة جراء الحرب العالمية الثانية، عجزت عن حل النزاع مع إيران بمفردها، فالتجأت إلى الولايات المتحدة طالبة العون.
ولمنع عودة النفوذ السوفيتي إلى إيران، خصص الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور مليون دولار «لاتخاذ أي إجراء يؤدي إلى الإطاحة بمصدق».
وأُوفد كيميت روزفلت، حفيد الرئيس ثيودور روزفلت، إلى إيران لقيادة العملية من هناك، بمشاركة في التخطيط من جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) ووكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA).
وفي عام 1953، أُطيح بحكومة مصدق (قضى بعد الانقلاب ثلاث سنوات في السجن، ثم وُضع تحت الإقامة الجبرية في منزله حتى وفاته). وبعد خمسين عامًا، أعربت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت عن أسفها قائلة: «كانت حكومة أيزنهاور مقتنعة بأن إجراءاتها مبررة استراتيجيًا، لكن ذلك الانقلاب كان له تأثير عميق على التطور السياسي الإيراني، وهو ما يفسر استمرار استياء العديد من الإيرانيين من التدخل الأمريكي.»
وهكذا، زُرعت بذور الكراهية منذ تلك اللحظة.
غير أن الولايات المتحدة، مستفيدة من هذا التدخل، قلبت الطاولة واستولت على «مقود القيادة» في إيران. فاستجاب محمد رضا بهلوي لمطالبها، وأطلق ما عُرف بـ«الثورة البيضاء» لتعزيز العلمانية. ولدعم حكمه، أنفق الشاه الجزء الأكبر من عائدات النفط على شراء الأسلحة الأمريكية، بينما نُفي المرشد الديني آية الله الخميني إلى العراق، وتوفي ابنه البكر المفضل في المنفى. (واضطر الخميني في النهاية لاختيار علي خامنئي خلفًا له، رغم أن الأخير لم يكن الزعيم الشيعي المعترف به عالميًا، مما زرع بذور صراع داخلي في إيران.)
يكشف تراجع النفوذ الأمريكي والبريطاني في إيران عن قاعدة دولية جديدة: فمصير الدول وصعودها وهبوطها لم يعد رهينًا بالحروب الشاملة، بل بات يعتمد على التجارة وحدها.
٤
بصفتها المستفيد الأكبر من الحرب العالمية الثانية، أعادت الولايات المتحدة صياغة قواعد التجارة العالمية: جعلت التسوية بالدولار، وربطت قيمته بالذهب.
ومع اندلاع «الحرب الباردة»، خاضت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي صراعًا على النفوذ، وتنافستا للسيطرة على مناطق نفوذ مختلفة حول العالم.
وفي عام ١٩٦٠، غزت القوات الأمريكية فيتنام رسميًّا، لتظل عالقة هناك طوال عقدٍ من الزمن، مما تسبب في عجز هائل في الميزانية الأمريكية. كما أن ربط الدولار بالذهب حال دون معالجة التضخم الكبير داخل الولايات المتحدة.
وللتحوُّل عن أزمتها الداخلية، أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في عام ١٩٧١ فك ارتباط الدولار بالذهب، مما مكَّن الولايات المتحدة من طباعة كميات هائلة من العملة وإرسالها إلى العالم، وبالتالي تصدير التضخم المحلي.
وهكذا انهار نظام بريتون وودز. وكانت اتفاقية الجات (GATT)، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، تمثل «الدعائم الثلاثة» للعلاقات الاقتصادية والتجارية العالمية، وكلها كانت قائمة على نظام بريتون وودز. فكان لانهياره سلسلة من التداعيات الواسعة.
إلى جانب ذلك، اجتاحت الأزمة الاقتصادية الثالثة العالم الرأسمالي بين عامي ١٩٦٩ و١٩٧١.
وقد أدى تقاطع هذين العاملين — انهيار نظام بريتون وودز والأزمة الاقتصادية العالمية — إلى جعل مسار الاقتصاد العالمي غامضًا تمامًا.
وفي الوقت الذي كانت الحكومة الأمريكية تسعى فيه لتصدير أزمتها إلى الخارج، كانت الاستعدادات لعقد أول «منتدى الإدارة الأوروبي» تجري على قدم وساق في دافوس السويسرية — تلك البلدة الصغيرة للتزلج في جبال الألب التي لم تكن معروفة آنذاك.
أسس المنتدى البروفيسور كلاوس شواب من جامعة جنيف، بهدف دراسة ومناقشة القضايا القائمة في المجال الاقتصادي العالمي، وتعزيز التعاون والتبادل الاقتصادي الدولي. (وفي عام ١٩٨٧، تغير اسم «منتدى الإدارة الأوروبي» ليصبح «المنتدى الاقتصادي العالمي»، ويُعرف أيضًا باسم «منتدى دافوس» نسبة إلى مكان انعقاده.)
لم يكن شواب ليتوقع أبدًا أن يصبح لهذا المنتدى تأثيرٌ على ألف شركة عالمية رائدة، وأن يجذب شخصيات بارزة من عالم السياسة والأعمال، وأن تتجاوز مواضيعه الاقتصاد إلى مجالات أوسع.
كما لم يكن ليتخيل أن خطوته هذه ستتزامن مع «نبضة» تحدث في الطرف الآخر من الكرة الأرضية.
ففي تلك الفترة، بدأت الصين — ذات العدد الأكبر من السكان والسوق الأوسع في العالم — تخطو خطواتها التجريبية الأولى نحو الانفتاح.
فمن عام ١٩٤٩ حتى عام ١٩٧١، استمر العداء بين الصين والولايات المتحدة لمدة ٢٣ عامًا، دفع الطرفان خلالها ثمنًا باهظًا. وفي عام ١٩٧٢، قام نيكسون بزيارة الصين، وبعدها أعادت معظم الدول الغربية الرئيسية علاقاتها الدبلوماسية مع بكين. وخلال ثلاث إلى خمس سنوات، جذبت الصين استثمارات أجنبية بلغت ٥.١ مليار دولار أمريكي، وهو ما وضع الأساس لانطلاق الاقتصاد الصيني في ثمانينيات القرن العشرين.

خطواتٌ صغيرة، لكنّها تحمل دلالاتٍ كبيرة. فالعولمة الحقيقية لا تتحقق إلا بانفتاح الصين على العالم.
يُعتبر عصر الاستكشافات البحرية الحدث التاريخي الذي مهّد لبداية العولمة الاقتصادية. فاكتشاف كولومبوس للعالم الجديد ��فتح طرق الملاحة البحرية، ربطا أجزاء العالم معًا لأول مرة.
ومن هنا، انطلقت التجارة العالمية. واللافت أن العولمة بدأت مع التدفق العابر للحدود للسلع الأساسية.
وهكذا، انطلقت معركة جديدة على «القدرات الوطنية».
٥
بعد انفصال الدولار الأمريكي عن الذهب، كان لا بد من إيجاد سلعة مادية قادرة على التأثير في قيمته لإعادة بناء الثقة العالمية به.
وكانت هذه السلعة هي النفط.
قال هنري كيسنجر ذات مرة: «من يسيطر على النفط، يسيطر على الأمم.»
فالنفط، بوصفه السلعة الأساسية المسيطرة، هو شريان الحياة الصناعي والمحرك الأساسي للتنمية الاقتصادية.
والسلع الأساسية هي تلك التي تُتداول بكميات كبيرة وتُستخدم في الإنتاج الزراعي والصناعي والاستهلاكي. وهي سلع قابلة للتداول لكنها لا تُباع بالتجزئة، وتنقسم إلى ثلاث فئات رئيسية: سلع الطاقة (كالنفط والغاز والفحم)، والمواد الخام الأساسية (كالمعادن والخامات)، والمنتجات الزراعية (كالمحاصيل والمواشي).
في يوليو 1974، سافر وزير الخزانة الأمريكي الجديد ويلي��م سايمون ونائبه غاري باسكي في رحلة جوية إلى الشرق الأوسط تحت وابل المطر. كانت ملامحهما جادة وحازمة.
ردًا على الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل خلال «حرب أكتوبر»، فرضت أوبك حظرًا نفطيًا على الولايات المتحدة، ما أدى إلى ارتفاع أسعار النفط أربعة أضعاف، وتبع ذلك تضخم اقتصادي وانهيار في سوق الأسهم، وكاد الاقتصاد الأمريكي يخرج عن السيطرة.
لم يعرف الهدف الحقيقي من زيارة سايمون للشرق الأوسط سوى عدد قليل من كبار مسؤولي إدارة نيكسون. كان الهدف إضعاف قوة النفط كسلاح اقتصادي، وإقناع المملكة العربية السعودية -التي كانت تكنّ عداءً شديدًا للولايات المتحدة- باستخدام عائداتها من «دولارات النفط» لتمويل العجز المالي الأمريكي المتزايد.
وكما ذكر باسكي، أوصى نيكسون فريقه بألا يعود خالي الوفاض.
أبلغ سايمون المسؤولين السعوديين بأن «الولايات المتحدة هي المكان الأكثر أمانًا في العالم لحفظ دولارات النفط السعودية»، وحثّهم على شراء سندات الخزانة الأمريكية. وبناءً على هذه الفكرة، وضعت إدارة نيكسون خطة غير مسبوقة وصفوها بأنها «إما النجاة أو الهلاك».
وكان الإطار العام للخطة بسيطًا للغاية: تشتري الولايات المتحدة النفط من السعودية وتقدم لها مساعدات عسكرية في المقابل. وبدورها، تستثمر السعودية عائداتها من دولارات النفط في سندات الخزانة الأمريكية أو في شراء أصول داخل الولايات المتحدة.

طلب الملك السعودي فيصل بن سعود من الولايات المتحدة أن «تحتفظ بالسرّ بشكلٍ صارم».
وحتى يومنا هذا، لا تزال الولايات المتحدة تحافظ على هذا السرّ. ويُقدَّر أن إجمالي سندات الخزانة الأمريكية التي تمتلكها المملكة العربية السعودية يبلغ 117 مليار دولار أمريكي، ما يجعلها واحدةً من أكبر الدائنين الأجانب للولايات المتحدة.
وهذا السرّ أثّر طوال أكثر من 40 عامًا في جميع جوانب العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، وبالتالي أثّر في هيكلية الشرق الأوسط ككل. ولذلك، لا يمكن للولايات المتحدة بأي حالٍ من الأحوال التخلي عن المملكة العربية السعودية؛ ففي عام 2019، أصرّ الرئيس ترامب على دعم ولي العهد السعودي رغم الجدل العالمي الكبير المثار حول مسؤوليته عن تفكيك جسد الصحفي جمال خاشقجي.
6
وبسبب «انقلاب» المملكة العربية السعودية، تمكّنت الولايات المتحدة من تفكيك دول منظمة أوبك عضوًا عضوًا، وبذلك ترسّخت هيمنة الدولار البترولي رسميًّا.
وأصبحت إسرائيل وإيران والمملكة العربية السعودية الثلاثة «المسامير» الرئيسية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.
ومع ذلك، فقد أدهش الجميع أن نظام البهلوي القوي ظاهريًّا كان هشًّا للغاية، فما إن نادى الخميني من على المنبر حتى تغيّرت إيران في ليلةٍ واحدة.
وفي عام 1979، أُعلِن قيام النظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه، حيث رفع الخميني شعار «لا شرق ولا غرب، بل الإسلام فقط»، وهو شعارٌ حكم عليه بالصراع الحاد مع الولايات المتحدة.
وعندما وصل نبأ استضافة الولايات المتحدة للشاه البهلوي إلى إيران، اقتحم طلاب إيرانيون السفارة الأمريكية واحتجزوا الدبلوماسيين رهائن. وهكذا انقطعت العلاقات الأمريكية الإيرانية تمامًا.
وبادرت الولايات المتحدة حينها بفرض عقوبات على إيران، وأُعتبر أي نشاط تجاري مرتبط بإيران مخالفًا للقانون.
إلا أن هذه العقوبات لم تشكّل عائقًا أمام مارك ريتش — «ملك النفط» الذي سيطر على أسواق الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية.
وُلد هذا المغامر عام 1934 في بلجيكا، وعمل في بدايات حياته لدى شركة فيبرو (Phibro) للسلع الأساسية، وهي شركة متخصصة في تجارة النفط والحبوب والمعادن. وخلال حرب كوريا، حقّق أرباحًا طائلة عبر تهريب الزئبق.
وفي عام 1973، أسس مارك ريتش وشريكه غرين شركة «مارك ريتش AG» في سويسرا. وقد اعتمدت الشركة في بدايتها بشكلٍ كبير على شبكة العلاقات التي أقامها ريتش، وعلى وعود النائب الإيراني علي بتوفير قنوات تجارية نفطية متنوعة.
وكان ريتش مشهورًا بقدرته الفائقة على بناء علاقات قوية مع كبار المسؤولين، بحيث كان يكفيه اتصال هاتفي واحد للتواصل مع أي دبلوماسي أو وزير طاقة تقريبًا.
ومنذ عام 1974، بدأت شركة «مارك ريتش AG» في استيراد كميات كبيرة من النفط الإيراني مقابل تسليم أسلحة وسلع أخرى عبر صفقات مقايضة.
وقد استمرت أعمال ريتشارد «ريتش» خلال أزمة الرهائن الإيرانية.
ويصف الصحفي دانيال آمان في سيرته الذاتية لريتش المنشورة عام 2009 بعنوان «ملك النفط» أن «ريتش كان مستعدًا للتعامل مع أي شخص». وخلال الخمسة عشر عامًا التي سبقت وأعقبت الثورة الإسلامية عام 1979، ظلّت إيران تزود ريتشارد ريش بالنفط.
وتطرّق ريتشارد ريش إلى تجارته مع إيران قائلًا: «كنا نشتري النفط ونُنظّم عمليات نقله ثم نبيعه. وكان الإيرانيون غير قادرين على تنفيذ هذه العمليات بأنفسهم، أما نحن فكنا نستطيع ذلك.»

وفي عام 1983، اتهمته الحكومة الأمريكية بارتكاب 51 جريمة، من بينها الاحتيال عبر وسائل الاتصال والبريد، والغش، والتهرب الضريبي، والتجارة بالنفط مع «عدو الدولة» إيران. وفي حال إدانته، كان سيُحكم عليه بالسجن لمدة 325 عامًا.
ومع ذلك، فرَّ ريتشارد ريش وشريكه مارك غرين إلى سويسرا قبل أن تصبح التهم سارية المفعول، وبقيا هناك طوال حياتهما دون العودة إلى الولايات المتحدة أبدًا.
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبح مارك ريش سريعًا أقوى تاجر سلعٍ أساسية في المنطقة، وفق ما ذكره فلاديمير كونت، الأستاذ في كلية كوجود لإدارة الأعمال بجامعة أمريكا. ووصف كونت ريش بأنه «المدرب والوالد الروحي لعددٍ من الأنظمة الأوليغارشية.»
وفي عام 1993، باع ريتشارد ريش جميع حصصه في الشركة، وغيّرت شركة «مارك ريش AG» اسمها لتُصبح «غلينكور».
وهكذا برز عملاق عالمي جديد في مجال تداول السلع الأساسية.
أما اليوم، فإن أكبر خمس شركات عالمية لتداول السلع الأساسية هي: «غلينكور» (سويسرا)، و«ميركوري» (سويسرا)، و«توكر» (سنغافورة)، و«فيدرال» (سويسرا)، و«ناتكس» (المملكة المتحدة). وتتركّز أنشطتها الرئيسية في تداول النفط ومشتقاته، والمعادن، والموارد المعدنية.
أما الشركات الأربع المتعددة الجنسيات التي تسيطر على تجارة الحبوب العالمية فهي: «إيه دي إم» (الولايات المتحدة)، و«邦吉» (الولايات المتحدة)، و«كارجيل» (الولايات المتحدة)، و«لويد دوفوت» (فرنسا)، والتي يُشار إليها في الأوساط المهنية باسم «الشركات الأربعة الكبرى لتجارة الحبوب».
كما أن «تلاميذ» ريتشارد ريش منتشران على نطاق واسع داخل هذه الشركات العملاقة لتداول السلع الأساسية.
فقد كان مؤسسا شركة «توكر» سابقًا من موظفي ريتشارد ريش كمتداولين، كما أن الرئيس التنفيذي السابق والحالي لشركة «غلينكور» كانا أيضًا متداولين تحت إشراف ريتشارد ريش.
أما الفكرة الأساسية التي دعا إليها ريتشارد ريش فهي أن رأس المال والأصول اللازمة لتداول النفط والمواد الخام الأخرى أقل بكثير مما يتصوره الناس، شرط توفر تمويل مصرفي. وقد أصبح هذا النموذج التجاري عالي الرافعة المالية النموذج السائد الذي تتبعه شركات تداول السلع الأساسية حول العالم.
وباتت هذه الشركات تُحرّك الأسواق العالمية بقوة، وبأسلوبٍ صارخٍ، لكن ضمن حدود القواعد المعمول بها. أما الأسواق الناشئة فلم تجد أمامها سوى التسليم والاندهاش!
وفي الوقت نفسه تقريبًا، بدأ لونغ يونغ تو، بصفته الممثل المفاوض الرئيسي للصين في مفاوضات إعادة الانضمام إلى الجات والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، ما وُصف بـ«المفاوضات الماراتونية» التي استمرت 15 عامًا، داعيًا وداعمًا انفتاح الشركات الصينية على السوق العالمية.
أخيرًا، ستُشارك الصين أيضًا في سباق السلع الأساسية.
٧
في فبراير ١٩٧٩، وصل وفدٌ يرتدي الزيّ الصيني التقليدي (الزيّ المسمى بـ«تشونغشان») إلى جبال الألب، حيث شارك الصينيون لأول مرة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
وقد حقَّق ذلك كلاوس شواب بعد أن زار بكين في العام السابق، وأدرك بحدسٍ حادٍ أن الصين ستشهد تغيّراتٍ جوهريةً، وصرّح قائلًا: «الصين دولة كبيرة مسؤولة تمامًا، ويمكنها تحمل مسؤوليات عالمية أكبر.»
إن عصرًا جديدًا على وشك أن يبدأ.
وفي ديسمبر من تلك السنة، غزت الاتحاد السوفيتي أفغانستان، ما أطلق ناقوس انتهاء «الحرب الباردة».
وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبح الشرق الأوسط منطقةً خاضعةً تمامًا للنفوذ الأمريكي، ولا يُسمح لأي دولة أخرى بالتدخل فيها، بل ويُمنع حتى القادة الإقليميون من التحدي.
إلا أن صدام حسين رفض تصديق ذلك. فقد خاض حربًا طاحنةً ضد إيران بقيادة الخميني استمرت ثماني سنوات، مما أدى إلى إلحاق أضرار جسيمة بكلٍّ من الطرفين. ولتفادي سداد دينه البالغ ١٤ مليار دولار أمريكي للكويت، استغل النزاعات الحدودية وشنّ هجومًا عسكريًّا على الكويت.
من أصل أكبر ٢٠ حقل نفط في العالم، يقع ١١ منها في منطقة الخليج، وبذلك أدّى إصرار صدام حسين الأعمى إلى أزمة الخليج.
وفي ١ أغسطس ١٩٩٠، أدان الرئيس الأمريكي جورج بوش إجراءات العراق باعتبارها «عدوانًا صريحًا»، ووصفها بأنها «تُشكِّل تهديدًا حقيقيًّا للمصالح الوطنية الأمريكية»، ثم أطلق في اليوم التالي عملية «درع الصحراء».
وكانت حرب الخليج عرضًا واسع النطاق لأحدث الأسلحة الحديثة، وأعلنت نهاية استراتيجية «الحرب البشرية» (أي حشد أعداد هائلة من الجنود).
ومن بين هذه الأسلحة، كان الصراع الكلاسيكي بين صاروخ «باتريوت» الأمريكي وصاروخ «سكود» السوفيتي هو الأبرز. وقد تمكّن صاروخ «باتريوت» من إسقاط «سكود» بسهولة بفضل نظام التوجيه الدقيق. فاستُخدم في نظام توجيه صاروخ «باتريوت» حوالي ٤ كيلوغرامات من مغناطيسات الساماريوم-كوبالت ومغناطيسات النيوديميوم-الحديد-البورون في جهاز تركيز الحزمة الإلكترونية، بينما يُصنَّف كلٌّ من الساماريوم والنيوديميوم ضمن عناصر «العناصر الأرضية النادرة».

والعناصر الأرضية النادرة هي مصطلحٌ عامٌّ يشمل سبعة عشر عنصرًا معدنيًّا، وهي عناصر السلسلة اللانثانية في الجدول الدوري بالإضافة إلى السكانديوم واليتربيوم. وتُستخدم هذه العناصر على نطاق واسع في الزراعة والصناعة والعسكر، وهي أساسيةٌ لإنتاج مواد جديدة، كما تُعتبر موردًا حاسمًا في تطوير تقنيات الدفاع المتقدمة، ولذلك تُلقَّب بـ«التراب العجيب».
وبالإضافة إلى ذلك، فإن نحو ٤٥٪ من مواد الطائرة المقاتلة من الجيل الرابع F-22 مصنوعة من سبائك العناصر الأرضية النادرة، أما الغلاف الخارجي للطائرة فهو مصنوع من سبيكة مغنيسيوم-تيتانيوم فائقة القوة تحتوي على عناصر أرضية نادرة. كما أن دبابة «ملك ساحة المعركة» M1 مزوَّدة بمقياس مسافات ليزري مصنوع من الجرانيت الذي يحتوي على النيوديميوم واليتربيوم والألومنيوم.
وقال ضابط سابق في الجيش الأمريكي: «إن المعجزات العسكرية غير المعقولة التي شاهدناها في حرب الخليج، وقدرة الولايات المتحدة على التحكم غير المتكافئ في مسار الحرب في الحروب المحلية بعد انتهاء الحرب الباردة، يمكن أن تُعزى – من منظور معين – إلى العناصر الأرضية النادرة.»
تستورد الدول المتقدمة الغربية، ومن بينها الولايات المتحدة، ما يكاد يكون كل عناصر الأرض النادرة التي تستهلكها من الصين.
وفي عام ١٩٩٢، أثناء جولته الجنوبية الشهيرة، شدَّد دنغ شياو بينغ على أن «للشرق الأوسط نفطًا، وللصين عناصر أرض نادرة. وتُشكِّل احتياطيات الصين من العناصر الأرض النادرة ٨٠٪ من الاحتياطيات المعروفة عالميًّا، وتحتل مكانتها مكانة النفط في الشرق الأوسط، إذ تتمتَّع بأهمية استراتيجية فائقة، ويجب بالفعل إنجاز أمر العناصر الأرض النادرة على الوجه الأكمل.»
وبالأسف، لم يُنجز هذا الأمر على الوجه الأكمل، بل كان ذلك فصلًا مؤلمًا من التاريخ المليء بالدموع والمعاناة.
ومنذ عام ١٩٧٢، وبعد أن ابتكر «أبو العناصر الأرض النادرة الصيني» شو غوانغ شيان طريقة جديدة لاستخلاص وفصل وتنقية هذه العناصر، بدأت الصين بإنتاجها على نطاق صناعي واسع، واستخدمتها في تصدير السلع换取 العملات الأجنبية.
إلا أن الصين كانت تبيع عناصرها الأرض النادرة لسنوات طويلة بأسعار منخفضة للغاية.
وفي تسعينيات القرن الماضي، فرضت دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا وكندا — والتي تمتلك رواسب عناصر أرض نادرة — قيودًا عامة أو أوقفت تمامًا استغلال مناجمها المحلية، واتجهت بدلًا من ذلك إلى استيراد هذه العناصر من الصين كاحتياطي استراتيجي.
وقد عبَّر شو غوانغ شيان ذات مرة عن أسفه العميق قائلًا: «الموارد من العناصر الأرض النادرة ثمينة للغاية، وبخاصة تلك الموجودة في المقاطعات الخمس الجنوبية، فهي عناصر أرض نادرة متوسطة إلى ثقيلة الثقل، ومقدار احتياطيها الصناعي يبلغ ١.٥ مليون طن، وقد تم استخراج أكثر من ٩٠٠ ألف طن منها بالفعل، وبقي فقط نحو ٦٠٠ ألف طن. فإذا لم نبدأ في حمايتها فورًا، فإن وتيرة الاستخراج الحالية ستؤدي إلى نفادها خلال عشر سنوات! وعندها سنضطر إلى شرائها من الولايات المتحدة واليابان، وقد يفرضان علينا أسعارًا أعلى بمئات أو حتى آلاف المرات!»
وبعد أن فرضت الصين قيودًا على صادراتها من العناصر الأرض النادرة، مثل الحصص التصديرية والقيود الأخرى، لأسباب تتعلق بتنظيم عمليات التعدين وحماية البيئة، رفعت الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي دعوى أمام منظمة التجارة العالمية اعتبارًا من عام ٢٠٠٩، مستندةً إلى سياسة الصين في تنظيم المواد الخام.
ورغم أن الصين قدّمت دعوى مضادة، إلا أنها خسرت القضية، واضطرت بالتالي إلى رفع الحصص والقيود، واستمرار بيع العناصر الأرض النادرة وكأنها تراب عادي.
فلماذا وجدت الصين نفسها في موقفٍ دفاعيٍّ بهذا الشكل؟
«إن سلطة تحديد الأسعار في النظام التجاري الدولي بالنسبة للصين قد انهارت تقريبًا بشكل شامل»، هكذا صرح ياو جيان، المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، علنًا في عام ٢٠١٠، مضيفًا: «إن أحد أكبر التحديات التي تواجه الصين اليوم هو غياب سلطة تحديد أسعار السلع الأساسية.»
٨
وتُعرَّف سلطة تحديد أسعار السلع الأساسية بأنها السلطة التي تملكها جهة معينة في تحديد أسعار الواردات والصادرات من السلع الأساسية.
وهناك نموذجان رئيسيان لتسعير السلع الأساسية: فالسلع التي توجد لها عقود آجلة ناضجة وأسواق عقود آجلة متقدمة تعتمد غالبًا في تسعيرها على أسعار أهم الأسواق العالمية للعقود الآجلة؛ أما السلع مثل خام الحديد، فغالبًا ما يتم التفاوض على أسعارها سنويًّا بين البائع والمشتري.
وحاليًّا، تتركز سلطة تحديد أسعار السلع الأساسية عالميًّا في أيدي خمس شركات كبرى، من بينها شركة غلينكور (Glencore)، بالإضافة إلى أربعة من كبرى شركات تجارة الحبوب.
إذن، وبعد مرور ٤٠ عامًا على سياسة الإصلاح والانفتاح، ما مدى قوة الشركات الصينية المتخصصة في تداول السلع الأساسية؟ ويمكن تلخيص وضعها العام على النحو التالي:
في مجال منتجات الطاقة، وعلى الرغم من امتلاك الصين احتياطيات وفيرة من الفحم، فإنها لا تتمتع بميزة نسبية في النفط والغاز الطبيعي. ولذلك، تعمل الشركات الوطنية مثل شركة بترول الصين (CNPC)، وشركة الصين الوطنية للنفط البحري (CNOOC)، وشركة سينوبك (Sinopec)، ومجموعة سينوتشيم (Sinochem) بنشاط على الحصول على حقوق استغلال حقول النفط والغاز في الخارج، مما يمكّنها من التنافس مع العمالقة الغربيين.
وفي مجال المنتجات الزراعية والحيوانية، تُركّز الصين بشدة على تحقيق الاكتفاء الذاتي لضمان أمنها الغذائي. وباستثناء فول الصويا الذي تستورده بكثافة كبيرة، فإن باقي المحاصيل الغذائية تُنتَج محليًّا بالكامل.
وفي حرب التجارة بين الصين والولايات المتحدة، شكّل فول الصويا محور المواجهة بين الطرفين في قطاع المنتجات الزراعية. فعلى الرغم من وجود شركات وطنية مثل مجموعة تشاينا غرains (COFCO)، فإن الصين، كأكبر مشترٍ عالمي لفول الصويا، ظلّت خاضعةً لضغوط خارجية.
خلال الفترة من عام 2001 إلى عام 2004، واجهت الصين مرتين ما عُرف بـ"أزمة فول الصويا". أما الأولى فقد وقعت في النصف الثاني من عام 2001 حتى أوائل عام 2002. ونظراً للأرباح الكبيرة التي حققتها الشركات الصينية سابقاً في هذا المجال، دخل عدد كبير منها سوق فول الصويا. وفي الوقت نفسه، حقّقت محاصيل فول الصويا في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية إنتاجاً وفيراً. واستغلت الصناديق الأمريكية هذه الظروف، وروّجت بشكل مبالغ فيه لارتفاع أسعار فول الصويا في الأسواق الخارجية مستندةً إلى مخاوف من تفشي وباء، ما أدّى إلى انخفاض حاد في أسعار العقود الآجلة لفول الصويا. ونتيجة لذلك، أفلست العديد من الشركات الصينية بسبب عدم قدرتها على التحوّط من المخاطر.
أما الأزمة الثانية فقد وقعت في عام 2004. فبعد أن أصدرت وزارة الزراعة الأمريكية تقريراً يشير إلى انخفاض إنتاج فول الصويا الأمريكي خلال تلك السنة، ارتفعت أسعار فول الصويا ارتفاعاً حاداً، واضطرت الشركات الصينية إلى توقيع عقود استيراد ضخمة بأسعار مرتفعة جداً. لكن بعد شهر واحد فقط، "تصحّحت" وزارة الزراعة الأمريكية رأيها السابق، فقام المضاربون الماليون الدوليون فوراً ببيع كميات هائلة من فول الصويا، ما أدّى إلى انهيار حاد في أسعاره. وقد أسفرت هذه الأزمة عن توقّف 70% من شركات استخلاص زيت فول الصويا في الصين عن الإنتاج، مع تقديرات أولية تشير إلى خسائر بلغت 4 مليارات يوان صيني.
وبعد ذلك، لم تعد الصين قادرةً على استعادة سيطرتها على تسعير فول الصويا.

أما في مجال المعادن والخامات الأساسية مثل الحديد، فإن الصين لا تمتلك السيطرة المطلقة كما هو الحال في مجالات أخرى، بل إن هذا القطاع يُعَدّ من أكثر القطاعات تضرراً، ولا سيما فيما يتعلق بخام الحديد.
وتتمثل المنافسة على تسعير خام الحديد في الصين في مواجهة "الثلاثة كبار في التعدين"، وهم شركة فالي (Vale) البرازيلية، وشركة ريو تينتو (Rio Tinto) الأسترالية، وشركة بي إتش بي بيتو (BHP Billiton) الأسترالية. ويُذكر أن شركتي ريو تينتو وبي إتش بي بيتو كانتا في الأصل جزءاً من شركة "الهند الشرقية" الشهيرة.
ومنذ إنشاء آلية التفاوض حول أسعار خام الحديد عام 1981، ظلت الأسعار سنوياً مستقرةً نسبياً دون تقلبات كبيرة. لكن بعد أن تفوّقت الصين على اليابان عام 2003 لتصبح أكبر مستورد عالمي لخام الحديد، بدأت "الثلاثة كبار في التعدين" في التفكير في كيفية إقناع الصين بقبول أسعار أعلى.
وهنا لا بد من الإشارة إلى شخصية بارزة هي "هو شي تاي"، الذي أنهى دراسته العليا في جامعة بكين، ثم سافر إلى أستراليا للدراسة، وانضم بعد ذلك إلى شركة ريو تينتو، حيث شغل منصب الممثل الرئيسي للشركة في شنغهاي.
وكان "هو شي تاي" يتمتع بقدرات استثنائية، وكان على دراية وثيقة بمسؤولي كبرى شركات صناعة الصلب الصينية، بل وكان يصطحب فرق المبيعات التابعة له إلى المصانع الصغيرة في المدن من الدرجة الثالثة والرابعة لجمع معلومات سرية مثل فترة دوران المخزون من المواد الخام، ومتوسط تكلفة خام الحديد المستورد، وهامش الربح لكل طن من الصلب، واستهلاك الخردة الحديديّة لكل وحدة من الإنتاج.
كما كان يقوم برشوة وإغراء كبار ومتوسطي المسؤولين في شركات الصلب الصينية الرئيسية، ومن أبرز ضحايا "استراتيجيته النقدية" تان يي شين، وهو مسؤول رفيع المستوى في شركة شوغيانغ ستيل (Shougang Group). أما جمع المعلومات من الجمعيات والجهات الحكومية فكان أمراً أسهل بكثير.
وفي الفترة من عام 2004 إلى عام 2007، ارتفعت أسعار العقود طويلة الأجل لخام الحديد بنسبة 18.6% و71.5% و19% و9.5% على التوالي. وفي نفس الفترة، سجّلت إنتاجية الصلب الصينية نمواً متواصلاً بنسبة 24.51% و30.94% و23.84% و15.17%. وبعد عام 2008، تم كسر القواعد الأصلية للتفاوض من قِبل شركتي ريو تينتو وبي إتش بي بيتو، اللتين كانتا تحقّقان في كثير من الأحيان ارتفاعات في الأسعار تفوق تلك التي تحصل عليها شركة فالي.
وفي يوليو 2009، أكّدت إدارة الأمن الوطني في شنغهاي رسمياً أن أربعة موظفين من مكتب شركة ريو تينتو الأسترالية في شنغهاي قد اعتُقلوا بتهمة الاشتباه في سرقة أسرار الدولة الصينية. وكان "هو شي تاي" من أصل صيني يحمل الجنسية الأسترالية، بينما كان الثلاثة الآخرون يحملون جوازات سفر صينية.
وبالإضافة إلى ذلك، خضع عددٌ من أعضاء رابطة صناعة الصلب الصينية، التي تُشرف على مفاوضات خام الحديد، للتدقيق من قِبل الجهات المختصة.
وفي وقت لاحق، انتشرت على الإنترنت شائعاتٌ واسعة النطاق تفيد بأن «هو شي تاي» تسبب في خسارة الصين ٧٠٠ مليار يوان صيني. ومع ذلك، فإن هذه المعلومة قابلة للنقاش.
وتتسم مفاوضات تجارة السلع الأساسية بالتعقيد والغموض، ولا يُعتبر وجود «جواسيس داخليين» مثل «هو شي تاي» حالةً فرديةً، لكن غياب الصين عن سلطة تحديد أسعار السلع الأساسية يعود في جوهره إلى نقص سيطرتها على سلسلة التوريد.
٩
هل ستظهر في المستقبل القريب شركة صينية مشابهة لشركة «غلينكور»، لا تمتلك فقط السيطرة على المناجم الكبرى للمعادن في المرحلة العليا من سلسلة القيمة، بل وتقدّم أيضًا خدمات متخصصة لإدارة سلسلة التوريد للمُصدِّرين التجاريين والشركات الصناعية المحلية في المرحلة السفلى؟
بالطبع، نعم.
ومن أبرز هذه الشركات شركة «الصين ميتالز جروب كو.، ليمتد» (ويشار إليها لاحقًا بـ«الصين ميتالز»)، والتي تُعتبر «القوة الوطنية الرائدة في إنشاء وتطوير قطاع المعادن»، وقد لعبت دورًا رئيسيًا منذ زمنٍ طويل في استيراد وتصدير المنتجات المعدنية في الصين.
وعلى مدى عامين، أطلقت «الصين ميتالز» عملية استحواذ على شركة «أوز ماينينغ» الأسترالية، إحدى كبرى الشركات التعدينية في أستراليا، والتي تشكلت من اندماج شركتي «أوكسيانا» (التي تمتلك أصولًا رئيسية في النحاس والرصاص والزنك والذهب) و«زينيفيكس». وكانت «أوز ماينينغ» سابقاً ثالث أكبر شركة تعدين في أستراليا وأكبر منتج عالمي للزنك في المرتبة الثانية.
ووافقت الحكومة الصينية على هذا المشروع في يونيو ٢٠٠٩، محققةً بذلك أسرع عملية اعتماد في تاريخ عمليات الاستحواذ الخارجي الصينية. ولذلك، أشادت مجلة «آسيا فاينانس» بهذا الاستحواذ باعتباره «أفضل صفقة استحواذ عالمية».

كما أن «الفرق الوطنية الصينية» تجرؤ على مواجهة عمالقة تجارة السلع الأساسية العالمية مباشرةً.
وفي ديسمبر ٢٠١٥، اشترت شركة «تشاينا ناشيونال غرains كوربوريشن إنترناشيونال ليمتد» (ويشار إليها لاحقًا بـ«تشاينا ناشيونال غرains إنترناشيونال»)، التابعة لمجموعة «تشاينا ناشيونال غرains كوربوريشن»، حصة ٤٩٪ المملوكة لمجموعة «ناتيكو» في شركة «تشاينا ناشيونال غرains ناتيكو أجريكيولتورال» مقابل ٧٥٠ مليون دولار أمريكي. وباستكمال هذه الصفقة، أصبحت «تشاينا ناشيونال غرains إنترناشيونال» تمتلك ١٠٠٪ من أسهم شركة «تشاينا ناشيونال غرains ناتيكو أجريكيولتورال»، التي تم إعادة تسميتها لاحقًا باسم «تشاينا ناشيونال غرains أجريكيولتورال».
ورغم انخفاض أداء سوق تجارة السلع الزراعية الأساسية عالميًا، فإن شركة «تشاينا ناشيونال غرains ناتيكو أجريكيولتورال»، بصفتها المنصة الخارجية لمجموعة «تشاينا ناشيونال غرains كوربوريشن»، ستربط مباشرةً مصادر الحبوب في المرحلة العليا وموارد التداول الخاصة بها بشبكات التصنيع والتوزيع التابعة لمجموعة «تشاينا ناشيونال غرains كوربوريشن» في المرحلة السفلى، مما يشكّل هيكلًا متكاملًا يشمل جميع مراحل سلسلة القيمة، ويُسهم في تحسين تخطيط سلسلة القيمة العالمية لمجموعة «تشاينا ناشيونال غرains كوربوريشن» بشكلٍ أكبر.
وفي عام ٢٠١٨، اكتسبت «الفرق الوطنية» زخمًا كبيرًا. فكثّفت شركات التعدين المحلية، وعلى رأسها شركة «زي جين ماينينغ»، خطواتها نحو التوسع الخارجي، بل ونجحت في إتمام صفقتَي استحواذ ضخمتين خلال نصف شهرٍ فقط.
وفي ٦ سبتمبر ٢٠١٨، أعلنت شركة «زي جين ماينينغ» عن نيتها شراء جميع أسهم الشركة الكندية «نيفسان» عبر إحدى شركاتها الفرعية الأجنبية المملوكة بالكامل، وبقيمة إجمالية تبلغ حوالي ٩.٥٣ مليار يوان صيني (١.٣٩ مليار دولار أمريكي).
تأسست شركة نيفسون عام 1965، وتتمتّع بحصة 60% في منجم بيشا للنحاس والزنك العامل في إريتريا بأفريقيا، وكذلك في مشروع منجم تيموك للنحاس والذهب في صربيا، وتضمّ مجموعتها 27 رخصة استكشاف في كلٍّ من صربيا وإريتريا ومقدونيا. ومشروع منجم تيموك للنحاس والذهب لم يُستَغلّ بعد، بينما يُعتبر منجم بيشا للنحاس والزنك منجمًا عاملًا.
في 21 سبتمبر 2018، وقّعت شركة ذهب الصين (China Gold) وشركة سان شاين الهندية اتفاقية لشراء 70% من أسهم شركة كروتشي الروسية، ما شكّل لأول مرة سيطرةً لمؤسسة صينية حكومية على مورد استراتيجي روسي.
وفي المستقبل، ستكون المناجم الذهبية الخارجية جزءًا مهمًّا من قطاع الذهب الصيني.
في قائمة مجلة فورتشن العالمية لأكبر 500 شركة لعام 2019، بلغ عدد الشركات الصينية المدرجة 129 شركة، وهي المرة الأولى في التاريخ التي تتجاوز فيها الصين الولايات المتحدة (121 شركة). وقد ساهمت 22 شركة خاصة بشكل كبير، وتتوزّع هذه الشركات على 10 قطاعات تشمل العقارات، والتأمين، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات (ICT)، والأجهزة المنزلية، والبتروكيماويات، والسيارات، وتجارة السلع الأساسية.
وبشكل عام، فإن الدول الناشئة تمرّ في مرحلتين للحصول على سلطة التسعير: المرحلة الأولى هي السعي إلى التسعير المتوازن، مثل معركة الصين الدفاعية عن النيوديميوم (العناصر الأرضية النادرة) وصراعها على خام الحديد، عبر الحدّ من المنافسة الفوضوية وتنظيم السوق وتعزيز قدرة البائعين التنافسية. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة التنافس الحقيقي على سلطة التسعير، والتي تعتمد أساسًا على إنشاء سوق كافية الحجم مع تقليل التدخل الإداري الحكومي.
وهذه المرحلة قد بدأت بالفعل.
10
مع بداية عام 2020، اشتدّ التوتر بين إيران والولايات المتحدة.
وأشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطابه إلى أن الولايات المتحدة حقّقت الاكتفاء الذاتي من الطاقة، وبالتالي لم تعد بحاجة إلى نفط الشرق الأوسط. لكن في الواقع، لا تزال مصافي التكرير الأمريكية تعتمد على النفط المنتج في تلك المنطقة.
وبفضل الارتفاع الحاد في إنتاج النفط الصخري، خفضت الولايات المتحدة صادراتها النفطية من الخليج الفارسي إلى أدنى مستوى لها منذ 30 عامًا في عام 2019. ومع ذلك، لا يزال النفط الخام من الشرق الأوسط يشكّل أكثر من 10% من واردات الولايات المتحدة.
وبالمقارنة مع النفط القادم من الخليج الفارسي، فإن النفط الصخري أخف وزنًا وأقل محتوىً من الكبريت، وبالتالي فهو ليس الخيار الأمثل لمعظم مصافي التكرير الأمريكية.
وبسبب العقوبات المفروضة بالفعل على إيران، لا يزال المشترون الأمريكيون للنفط الثقيل يعتمدون على الشرق الأوسط — وبخاصة المملكة العربية السعودية.
وتقول هيلما كروفت، المديرة العالمية لاستراتيجية السلع الأساسية في رويال بنك أوف كندا كابيتال ماركتس: «لقد غيّرت المنتجات الأمريكية قواعد اللعبة. ولا ينبغي لنا تجاهل هذه الحقيقة. ومع ذلك، فإن فكرة أننا لن نتعرض لتأثير اقتصادي كبير في حال انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط على نطاق واسع ولفترة طويلة، هي فكرة غير دقيقة.»
إن ظهور التيارات المحافظة الجديدة على المستوى العالمي لا يُلغي حتمية العولمة.
فالعولمة تشبه شبكةً تحيط بالأفراد والشركات والدول، حتى إن رئيس الولايات المتحدة نفسه لا يستطيع الهروب منها.
وبعد هروب مارك ريتش من الولايات المتحدة، واصل هو وشريكه غرين السيطرة على أكبر تجارة عالمية للمعادن، بما في ذلك التنجستن الصيني، حيث تمت غالبية الصفقات عبر بريسكوت بوش، شقيق جورج دبليو بوش. ولضمان تجارة التنجستن، دفع ريتش «عمولات» أو رشاوى لحملة بيل كلينتون الرئاسية، كما تبرّع بمبالغ كبيرة لحملة هيلاري كلينتون الانتخابية لمنصب عضو مجلس الشيوخ عن نيويورك.
في ٢٠ يناير ٢٠٠١، في اليوم الأخير من ولاية كلينتون، أصدر عفواً رئاسياً عن مارك ريتش. وبعد ثلاث سنوات، توفي ريتش عن عمر ناهز ٧٨ عاماً.
ويختتم سيرته الذاتية الرسمية بعباراتٍ بسيطة للغاية: «كان مارك ريتش متزلجاً ممتازاً وراعياً لل arts.»
لكن الواقع أكثر تعقيداً بكثيرٍ من ذلك.
وبعد صدور كتاب توماس فريدمان «العالم مستوٍ» عام ٢٠٠٦، أعاد الجمهور تركيز اهتمامه على الفترة الممتدة بين عامي ٢٠٠٠ و٢٠٠٤: حيث أصبحت الصين والعديد من الدول النامية جزءاً من سلسلة التوريد العالمية للسلع والخدمات... وأصبح العالم بهذا الشكل أصغرَ وأسرعَ مما كان عليه، ما استدعى من الأنظمة السياسية والاقتصادية البشرية أن تُكيّف نفسها لتصل إلى هيكلٍ مستقرٍ يتناسب مع هذه التغيرات.
وبمرور مئة عام، وعند العودة إلى تقلبات مصائر الدول والصراع على السلع الأساسية، لا يمكننا إلا أن نتأمل في كلمات ونستون تشرشل عند تذكّره قراره الاستراتيجي باستبدال الفحم بالكامل بالنفط: «مكافأة المجازفة هي التفوّق نفسه؛ فالتفوّق على الخصم لمدة سنة واحدة قد يغيّر مجرى الأمور، لذا فليتقدم المرء!»
